‏إظهار الرسائل ذات التسميات العرب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العرب. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 26 جوان 2008

الحالة الإجتماعية للعرب في الجاهلية


إعتبر احد المعلقين على التدوينة السابقة أن إستفتاء المفتي في مسائل الزواج والطلاق هو عودة للجاهلية وبما أن التزاماتي المهنية والخاصة سمحت لي بقليل من الوقت فسأستغله لختم سلسلة التدوينات حول أحوال العرب في الجاهلية :

انعكست الأوضاع السياسية والإقتصادية المتردية على الحالة الإجتماعية للعرب في الجاهلية. فقد كان أساس النظام الإجتماعي متركزاً على العصبية ورابطة الرحم ويعتبر أحسن تصوير لذلك المثل القائل : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً! والذي تفانت العرب في تطبيقه بحذافيره حتى كادوا أن يفنوا أنفسهم في حروب الثأر إلى أن جاء الإسلام وبين أن نصر الظالم هو كفه عن ظلمه.

أما علاقة الرجل بالمرأة فكانت تتبع الطبقات الإجتماعية. فعند الأشراف كانت المرأة محترمةً مصونة تسل دونها السيوف وتخاطب من طرف الشعراء في قصائد الفخر بالكرم والشجاعة. كما كانت تتمتع بحرية التصرف في مالها بل وقد يكون قولها مسموعاً فتجمع القبائل للسلام أو تشعل بينها الحرب!

غير أن الطبقات الإجتماعية الأخرى كانت تعيش حالة من الفساد والمجون لا مثيل لها. روى البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها‏، قالت أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أوجه :

-‏ نكاح كنكاح الناس اليوم؛ يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها

- نكاح الاستبضاع ‏:‏ كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها‏:‏ أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نَجَابة الـولد

- ونكاح آخر‏:‏ يجتمع الرهط دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت، ووضعت ومر‏ت‏ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، ‏‏فـتقول لهم‏:‏ قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، ‏تسمى من أحبت ‏منهم‏ باسمه، فيلحق به ولدها‏.‏ لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل

- ونكاح رابع‏:‏يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطته به، ودعى ابنه، لا يمتنع من ذلك

إلى جانب ذلك كان من المعروف في أهل الجاهلية أنهم كانوا يعددون بين الزوجات من غير حد ويطلقون ويرجعون بدون حد أيضاً ؛ كما كانوا يجمعون بين الأختين و يتزوجون بزوجة آبائهم إذا طلقوها أو ماتوا عنها ! أما فاحشة الزنى فقل من كان منهم يحس بالعار للإنتساب إليها !!!

وبالطبع لا يمكن أن أختم دون الإشارة لعادة وئد البنات خشية ما قد يجلبن من العار إذا وقعن في السبي ؛ بل قد يصل الأمر ببعضهم لقتل أبنائهم خشية الفقر والإملاق.

الاثنين، 16 جوان 2008

أديان العرب في الجاهلية


كان معظم العرب يدينون بالحنيفية، دين إبرهيم عليه السلام منذ أن نشأت ذرية إسماعيل في مكة وانتشرت في جزيرة العرب. فكانوا يعبدون الله ويوحدونه ويلتزمون بشعائر دينه حتى جاء عمرو بن لُحَيٍّ زعيم خزاعة وكان معروفاً بالصدقة والصلاح. لكنه لما سافر إلى الشام ورأى أهلها يعبدون الأصنام إستحسن ذلك وظنه حقاً لإشتهار الشام بالأنبياء والكتب السماوية فعاد إلى مكة بهبل ووضعه في جوف الكعبة ثم دعا قومه لعبادته ليشفع لهم عند الله فأجابوه لذلك ثم ما لبثت أن تبعتهم بقية قبائل العرب حتى انتشرت عبادة الأوثان في كل الجزيرة العربية وبلغ بهم الأمر أن أصبحت الكعبة محاطةً بثلاث مائة وستين صنم كل واحد منها تحج له إحدى القبائل في موسم الحج!

وكان من نتائج ذلك أنهم على الرغم من محافظتهم على بعض من الشعائر التي جاء بها ابراهيم عليه السلام كتعظيم البيت والطـواف بـه والحـج والعمـرة والـوقوف بعرفة... فإنهم إبتدعوا بدعاً عظيمة من ذلكم أن أهل قريش كانوا يسمون أنفسهم الحُمْس ويقولون نحن بنو إبراهيم وأهل الحرم وليس لأحد من العرب مثل حقنا ومنزلتنا فلا ينبغى لنا أن نخرج من الحرم إلى الحل أو نقف بعرفة أو نفيض منها.
ثم انهم قالوا لا ينبغي لأهل الحِلِّ أن يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم، إذا كانوا حجاجا أو عمارًا‏.‏ بل انهم أمروا أهل الحِلِّ ألا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس!!! فمن كان غنيا يشتري ثياباً يطوف بها ومن كان له صديقٌ قرشي يستعير ثيابه للطواف وأما الفقراء فكان يطوفون عراة يصفقون بأيديهم ويصفرون وكانت بعض النسوة تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

أما صيغة التلبية فكانت : لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه و ما ملك!!!

ويظهر هنا بكل وضوح الأهمية الإقتصادية الكبيرة للحج والعمرة التي جعلت كبار قريش يرفضون دخول الإسلام خوفاً على فقدان هذه الموارد المادية العظيمة وتجنباً لمواجهة كل العرب إذا هدمت أصنامهم التي تحيط بالكعبة. وتفادياً للإطالة أريد أن أذكر بسرعة أنه كان للعرب عادات أخرى غريبة كالاقتسام بالأزلام وتصديق أخبار المنجمين والكهنة والعرافين والتطير والتشاؤم...

من جهة أخرى كانت بعض القبائل تدين بالنصرانية كالغساسنة في الشام وأهالي نجران في اليمن. أما اليهود فقد إستقر معظمهم بيثرب حيث وجدوا أوصافها في التوراة وعلموا أنها ستكون وجهة هجرة نبي أخر الزمان بل كانوا يستنصرون به على الأوس والخزرج قبل بعثته.
يقول الله تعالى في سورة البقرة :
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)


الحالة السياسية والإقتصادية للعرب في الجاهلية


كان حكام جزيرة العرب في الجاهلية على قسمين‏:‏
1ـ ملوك مُتَوَّجُون لكنهم في الحقيقة غير مستقلين‏ و هم ملوك اليمن وملوك مشارف الشام (الغساسنة) ‏ وملوك الحيرة (المناذرة)
2ـ رؤسـاء القبائـل والعشائر وكـان لهم مـن الحكم والامتـياز مـا كـان للملـوك المتوجين، ومعظم هـؤلاء كانـوا على تمـام الاستقـلال، وربمـا كانت لبعضـهم تبعية لملك متـوج‏.‏

قبل ظهور النبي صلى الله عليه وسلم كان ملوك اليمن والحيرة يتبعون الفرس في حين أن الغساسنة كانوا تبعاً للروم ولكن جميعهم كانوا يعيشون في حالة من الضعف والانحطاط لا مثيل لها. فكان الناس مقسمين بين حكام (بمثابة السادة) ومحكومين (بمثابة العبيد) وبالتالي كان الظلم والإستبداد مستشريين ولم يكن باستطاعة أحد التذمر أو الشكوى. وأما القبائل المجاورة لهذه الأقطار فكانوا مذبذبين : مرة يدخلون في أهل العراق، ومرة يدخلون في أهل الشام.

وكانت أحوال القبائل داخل الجزيرة مفككة الأوصال، تغلب عليها المنازعات القبلية والاختلافات العنصرية والدينية. فلم يكن لهم ملك يدعم استقلالهم ويعتمدون عليه وقت الشدائد. بل إن الحروب كانت كثيراً ما تنشب لأسباب تافهة ثم تستمر بسبب دوامة الثأر لعشرات السنين كحرب البسوس وحرب داحس والغبراء...
الاستثناء الوحيد لهذا الوضع كان مكة التي تنظر لها جميع القبائل باحترام فقبيلة قريش التي كانت تسكنها تمتلك الزعامة الدينية وتشرف على موسم الحاج وتساهم حتى في فض النزاعات القبلية.

أما الحالة الاقتصادية فكانت تعتمد على التجارة التي لا تتيسر إلا إذا ساد الأمن والسلام وكان ذلك مفقودًا في جزيرة العرب إلا في الأشهر الحرم وهذه هي الشهور التي كانت تعقد فيها أسواق العرب الشهيرة من عُكاظ وذي المجَاز ومَجَنَّة وغيرها‏.‏
وأما الصناعات فكانوا أبعد الأمم عنها، ومعظم الصناعات التي كانت توجد في العرب من الحياكة والدباغة وغيرها كانت في أهل اليمن والحيرة ومشارف الشام. وحتى إن كان في داخل الجزيرة شيء من الزراعة والحرث وتربية الأنعام، وكانت نساء العرب كافة يشتغلن بالغزل، فإن الأمتعة كانت عرضة للحروب، وكان الفقر والجوع والعرى عامًا في المجتمع‏.‏

الأحد، 15 جوان 2008

مكارم الأخلاق عند العرب في الجاهلية


عرف العرب في الجاهلية بأخلاقٍ فاضلة تفتقدها الأمم "المتحضرة" في زمننا المعاصر :

الكرم : مثل الكرم مجال التنافس المفضل بين القبائل والعشائر العربية فبرع الشعراء في نظم القصائد التي تفخر بذلك.
من ذلكم أن الرجل كان إذا أتاه الضيف في شدة البرد والجوع وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، تأخذه نخوة الكرم فيقوم إليها، فيذبحها لضيفه.
وكان من نتائج كرمهم امتداحهم شرب الخمر و لعب الميسر..
أما الخمرفلأن تأثيرها على الإدراك يسهل الإسراف على النفس فتكون بذلك سبيلا من سبل الكرم و لذلك سمي شجر العنب بالكرم
وأما الميسر فلأنهم كانوا يطعمون المساكين ما ربحوه أو ما كان يفضل عن سهام الرابحين؛ ولذلك ترى القرآن لا ينكر نفع الخمر والميسر وإنما يقول‏:‏ ‏{‏وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏219‏]‏

الوفاء بالعهد : فقد كان العهد عندهم دينًا يتمسكون به، ويستهينون في سبيله قتل أولادهم، وتخريب ديارهم، وتكفي في معرفة ذلك قصة السَّمَوْأل بن عاديا الذي أودع عنده امرؤ القيس دروعاً وأراد الحارث بن ابي شمر الغساني أن يأخذها فأبى وتحصن بقصره في تيماء، لكن الحارث أمسك أحد أبناء السَّمَوْأل وهدده بقتله إن لم يسلم الدروع فإمتنع حتى قتله أمام عينيه.

عزة النفس والإباء عن قبول الظلم والضيم : كان من نتائج هذا فرط الشجاعة وشدة الغيرة وسرعة الانفعال فكانوا لا يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان إلا قاموا إلى السيف وأثاروا الحروب التي قد تستمر سنين

المضي في العزائم : كانوا إذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والافتخار لا يصرفهم عنه صارف بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله حتى أخر رمق

الحلم والأناة والتؤدة ‏:‏ كانوا يتمدحون بها إلا أنها كانت فيهم عزيزة الوجود؛ لفرط شجاعتهم وسرعة إقدامهم على القتال‏.

إن هذه الأخلاق الحميدة كانت كالبذرة الصالحة التي تنتظر من يتعهدها بالرعاية فتنبت و تزهر رجالاً قادرين على حمل رسالة إصلاح عظيمة لكل البشر. بيد أن هذا الشعاع من الضوء كان محاطاً بدجى من العادات السيئة والأوضاع السياسية ‏ و الاجتماعية والإقتصادية الصعبة التي سنبين بعضاً منها في التدوينات القادمة إن شاء الله.