‏إظهار الرسائل ذات التسميات النهضة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات النهضة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 26 جويلية 2012

لا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فيكم إن لم تسمعوها


شاء القدر أن يكون المسلسل الرمضاني الحدث هذه السنة يتناول سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. عمر الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل… عمر الذي قال فيه ابن مسعود “مازلنا أذلة حتى أسلم عمر”… عمر الذي بنى حضارةً وضع أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم وارتفع بأعمدتها أبو بكر الصديق… عمر الذي سمع بطنه تتضور من الجوع عام الرمادة فقال لها “قرقري أو لا تقرقري والله لن تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين”… عمر القائل “فعلام نعطى الدنيّة في ديننا”…
أستحضر عبقرية عمر فتعود بي الذاكرة إلى الفترة التي كنت فيها مع الكثير من أبناء جيلي نهرب من واقعنا المر الذي ضُيّق فيه على المسلمين وغاب الإسلام عن الحياة اليومية واستبد الحكام فأكثروا الظلم والفساد، لنقضي الساعات في قراءة كتب السّيَر ونحلم بيوم يُؤْتي فيه الله الأمر لأناس يخافونه فينا ويعضون بالنواذج على سنّة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الرّاشدين. وقامت الثورة لتفكّ قيود المسجونين وتعيد المنفيين فهبّ أصحاب الهمم لتحقيق المشروع الذي حلمنا به عشرات السنين وإقترب أكثر بعد أن ابتلانا المعزّ المذلّ بالتمكين.
يشهد الله أننا كنا نضع مقولة جعفر بن محمد “إلتمس لأخيك سبعين عذراً” نصب أعيننا قبل أن ننتقد أي قرار يتخذه ولاة أمورنا. فعندما أعلنوا عن حكومة تتكون من كتيبة من الوزراء والمستشارين قلنا إن الأمر عظيم والتركة ثقيلة فلابد من عين على كل جهاز في الدولة لتنظر ماذا فعل المفسدون وتعدّ للإصلاح وإعادة البناء… ولمّا تمّ الإبقاء على البعض من الدّساترة التجمّعيين غاضنا ذلك ولكن قلنا إن لكل قفل مفتاحاً ودولة نخرها الفساد ستين سنة لا سبيل لتطهيرها منه إلا بالإستعانة بالبعض من المؤلّفة قلوبهم العالمين بالخفايا وخاصّةً بالفخاخ القديمة والحديثة… ولمّا تأخر تطهير المنظومة الأمنية قلنا إن الحذر واجب فليس من السهل التخلص من جلّادي الأمس الذين لم يفقدوا نفوذهم ومن المستحيل القيام بالتغيير الآني لأساليب عمل أعوان درّبوا منذ الإستقلال على أن تطبيق القانون في تطبيق التعليمات وأن هيبة الدولة لا تكون إلا بالقمع والقهر والعنف المادي واللفظي.
في الحقيقة كنّا نعتقد أن ساداتنا يعلمون أنّنا إزاء فترة انتقالية يصعب تحقيق نتائج باهرة فيها فكل ما يمكن أن نرنو إليه هو تقييم الموجود ووضع أسس الإصلاح. غير أن الإمساك بمقاليد الحكم يمنح الفرصة للقيام بأعمال رمزية تُظْهر للناس معدنك وتطمئنهم بأن الأمانة بين أيدٍ أمينة. لذلك هالنا أن نرى نوابنا الأشاوس يتفطنون بعد ستة أشهر من انتخابهم أن السكن في نزل ذي خمس نجوم مكلف فيأذنون لأنفسهم بمنحة سكن بتسع مائة دينار أي قرابة أربعة أضعاف الأجر الأدنى في بلد قامت فيه ثورة من أجل العدالة الإجتماعية! وكأننا لا نستطيع أن نصبر “رمزياً” مدة هذه الفترة الإنتقالية. ولما ضج الناس مستهجنين هذه الفضيحة نسي أحد كبرائنا أن الإعتراف بالخطأ فضيلة ونسي أيضاً أنه كثيراً ما تفاخر بأنه يسكن حياً شعبياً شكلت انتفاضته منعرجاً حاسماً في الثورة فزاد في خيبة أملنا بقوله: “من غير المعقول أن يمتطي “جناب” النائب وسائل النقل العمومية”! نتفهم أن يكون من السهل على وزراء دولة النرويج الصليبية الكافرة التنقل على المترو والحافلة فهي بمثابة سيارات فارهة مقارنةً بنظيراتها الخضراء والصفراء عندنا ولكن ألم يكن من الممكن إستعمال سيارات الأجرة؟ أليس من المهم الإقتراب من المواطنين في هذه الفترة حتى يشعروا أن نوابهم قريبون منهم ومطلعون على مشاكلهم اليومية؟
على العموم كل هذا لا يساوي شيئاً أمام السقطة الكبرى التي اقترفها من كنا نعتبرهم قدوتنا ومثلنا الأعلى! العالم المتقدم يقوده شباب وكهول لا تفوق معدل أعمارهم الخمسين سنة وتتعامل أصابعهم بمهارة مع لوحات المفاتيح والتقنيات الحديثة. أكُتِب علينا أن لا تكون الكفاءة موجودةً إلا عند أحفوريات تكتب “بالبلومة” وتستعمل ألفاظاً من عينة “فهمت الحاصل معناها”؟ أبلغ بنا الأمر أن ننبش في ركام النظام البائد لنستخرج منه من ارتبط إسمه بالمستبد الأول قبل الثاني ولاحقته تهم فساد في بلد إخوةٍ قادرين على إتياننا بالخبر اليقين؟ شخصٌ وُضع أو وَضع (لا فرق طالما لم يعترض حينها) إسمه على قائمات المناشدة. شخصٌ يعترف بكتابة ثلاث صفحات من أربع مائة صفحةٍ تقطر نفاقاً كل حرفٍ فيها هو صفعة على وجوه الشهداء قبل وجوهنا.
ثم إذا تركنا جانباً ارتباطه بالماضي البغيض وناقشنا “كفاءته” أو بالأحرى عقيدته الإقتصادية، هل نجده مختلفاً عن سلفه؟ كنت أعتقد أن السبب في إقالة هذا الأخير لا يقتصر على رفضه العمل بالفصل 34 من القانون المؤسس للبنك المركزي والذي ينص على أن البنك المركزي يشد أزر السياسة الإقتصادية للدولة أو على بقية المآخذ الأخرى وإنما بسبب إيمانه بوجوب الإنصياع لإملاأت صندوق النقد الدولي وغيره من أدوات إستعباد الشعوب. فهل سيعمل المحافظ الجديد على التقليص من المديونية أم أنه سيدفعنا إلى الإنتحار والموت الزؤام عبر تحرير الدينار؟
أعجب من أناسٍ عينوا وجهاً من فترة الإستبداد الدستورية التجمعية بعد أسبوع من مؤتمرهم العام الذي جاء في بيانه الختامي حديثٌ عن القطيعة مع منظومة الإستبداد ومنع عودة رموز التجمع المنحل! ألا يتدبرون قول الله تعالى: “يَا أَيّها الّذِين أمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونْ”؟ إن كنتم تظنون أن الأمر إستقر لكم فهيهات هيهات. النظام الأوليغارشي يُجَيّش إعلامه وأزلامه ليطيح بكم. ومن انتخبكم يوم 23 أكتوبر وخاصةً الشباب منهم بدأ يفقد الثقة فيكم. فقد كانوا يعتقدون أنكم أصحاب مبدأ شعاركم الصدق والوفاء ولا تخافون في الله لومة لائم فاحذروا أن يصيبكم قول الله تعالى “ووَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ”.
أختم بسؤال لرئيس الحكومة: عندما تقف كل صباح أمام المرآة وتنظر في عينيك، أتتذكر تلك الكلمات التي كنت ترددها لرفاق النضال في أقسى أيام المحنة: أما زلتم على العهد؟

الأربعاء، 28 مارس 2012

هل تخلت النهضة حقاً عن تطبيق الشريعة ؟



روى لي أحد أصدقائي الأطباء أنه أثناء فترة تدريبه عرضت عليهم حالة غريبة لإمرأة من الجريد أظهرت التحاليل أنها مصابة بتشمع كبدي (أو تليّف كبدي) ولكن عندما سألها الطبيب المقيم إن كانت مدمنة على الخمر احمر وجهها غضباً وخجلاً وصاحت في وجهه نافية ذلك. لحسن الحظ كان هناك طبيب شاب من جهتها علم بالقصة فعاد إليها سائلاً : قل لي يا حاجة، تشرب برشة لاڤمي(*) ؟

المغزى من هذه الحادثة الطريفة يتمثل طبعاً في القاعدة الشهيرة : "العبرة بالمسمّى لا بالإسم" ولكن يُحيلنا أيضاً إلى حديث الساعة ألا وهو قرار الهيئة التأسيسية لحركة النهضة بعدم التنصيص على الشريعة في الدستور المقبل إذ تبيّن من التصريحات التي رافقت هذا القرار أن الشريعة مطبّقة في تونس حتى بعد الإستقلال ولكن الشعب "آخر" من يعلم !!!

المفارقة تتمثل في أن نسبة كبيرة من قواعد الحركة إلى جانب السلفيين كانت في الأساببع الفارطة تتظاهر مطالبةً باعتبار الشريعة الإسلامية مصدراً أساسياً (ووحيداً لدى بعضهم) للتشريع وتعتبر ذلك انتقاماً من العَلْمَنَة القسرية (بمعنى السياسات المعادية للتديّن) التي عرفتها البلاد منذ الإستقلال. ومن جهة أخرى فإن أنصار "الحداثة والتقدمية" الذين تظاهروا غداة هروب المخلوع رافعين شعار "تونس ليك تونس ليّا تونس دولة لائكيّة" وطالبوا بدستور يحافظ على الطابع العلماني الذي عرفته "الجمهورية البورڤيبنعلية" أصبحوا يؤكّدون بعد الخيبة الكبيرة التي منوا بها في انتخابات 23 أكتوبر، على أن 90% من القوانين التونسية مطابقة للشريعة وحتى من كان يدعو لمحو أي ذكر للإسلام في الدستور الجديد أضحى متمسكاً بالفصل الأول من دستور 1959.

لنستطيع فهم ضبابية هذه المواقف لابد أن نرجع إلى الظروف التي صيغ فيها هذا الفصل. وأقصر طريق لذلك هي الشهادة التي أدلى بها السيد مصطفى الفيلالي الوزير السابق لبورڤيبة وعضو المجلس القومي التأسيسي وفيه صرح بأنه وقع اختلاف كبير حول مسألة تحديد الهوية بين الشق الزيتوني (الذي تزعمه الشيخ النيفر) المطالب بأن يكون الفصل الأول من الدستور متضمنا "تونس دولة إسلامية عربية" وبين الشق الحداثي الذي إعتبر هذا "إنحيازاً لا طائل منه" فتدخل بورڤيبة وحسم الأمر مقترحاً صيغةً "حمّالة أوجه" : تونس حرّة مستقلة الإسلام دينها والعربية لغتها فوافق "الزّواتنة" (الذين فهموها على أنّ مرجعيّة الدّولة الأخلاقية والقانونية ستكون الإسلام) والحداثيون (الذين فهموها على أن الإسلام هو دين أغلبية المواطنين). وللأسف الشديد فقد أثبتت السياسات التي انتهجتها "الجملوكية" في سنوات حكمها الأولى أنّ هذا الفصل (بفهميه الإثنين) بقي حبراً على ورق فأي دولةٍ هذه التي تكون مرجعيتها أو دين مواطنيها الإسلام ثم تقوم بالقضاء على التعليم الدّيني فيه وتفرغه من محتواه ثم بتجفيف منابعه ومحاربة الملتزمين بشعائره في مرحلة ثانية ؟! وأي دولةٍ هذه التي تقوم بتهميش لغتها الوطنية لتعتمد على لغة المستخرب لتدريس المواد العلمية التي ستقوم عليها نهضتها ؟!

في الحقيقة أثبتت الهيئة التأسيسية لحركة النهضة باتخاذها هذا القرار الصعب والمفاجئ في توقيت حساس وتحت ضغط أنصارها أنها تتمتع ببراغمتية وحنكة سياسية طالما اتهمت بافتقادها. فإن كانت كلمة شريعة مرادفة للحدود "القاسية والبربرية" في نظر الشركاء الأجانب ورواد الحداثة والتقدمية وغامضة وغير مفهومة من قبل التونسي "العيّاش" الذي يريد فقط أن يعيش في سلام ويجد الطعام عند جوعه والعلاج عند مرضه فليكن الدواء بالتي كانت هي الداء ! ما المانع من إبقاء الفصل الأول ثم العمل به بفهم "الأغلبية الحاكمة" ؟ فإن عُرض على السلطة التشريعية نصٌ يتعارض مع الشريعة (قانون، إتفاقية دولية...) فستصوّت ضده وإن كان هناك قوانين في حاجة إلى المراجعة "على ضوء الشريعة" فسيتم ذلك ولو باستعمال "سياسة المراحل"..

طبعاً كان الأمر سيكون أفضل و"أضمن" لو كانت هناك محكمة دستورية مكوّنة من قضاة شرعيين تقوم بالنظر في "دستورية" القوانين ومدى مطابقتها لمقاصد الشريعة ولاجتهادات "علماء" البلاد ولكن ما الحل في بلد ابتلي "بنخبة" لا تزال تصر على "التحديث" الفوقي والقسري رغم ستّين سنة من الفشل ؟!

المشكل الأساسي إذاً يتمثل في تعريف مصطلح الشريعة وتقريب مفهومه لعامة الشعب وخاصته. فمن الإنتقادات التي وجهها أساتذة جامعيون من "نخبتنا" لفكرة تضمين الشريعة، قولهم: إن الأمة الإسلامية افترقت على مذاهب عديدة في فهم الشريعة فبأيها نأخذ ؟ وفي هذا خلط بين الشريعة التي هي الثابت الذي لا يتغير مما كان قطعي الدلالة في القرءان والسنة أو مما أجمع عليه العلماء وبين الفقه الذي يتمثّل في نتاج ما يقوم به العلماء من إجتهاد وتأويل وقياسٍ وتحكيم للرأي... ولا أجد أبلغ من قول إبن تيمية الذي أجمل كل هذا التفصيل في قوله "حيثما وُجدت المصلحة فثَمَّةَ شرع الله"

ختاماً، أعتقد أن حركة النهضة اختارت الصبر والعمل على المدى الطويل فأولياتها وأهدافها كانت واضحة : إثبات أنها حركة مجدّدة مع المحافظة على الحد الأدنى من مطالبها ثم العمل على تغيير الواقع المعيشي والثقافي بما يطابق مشروعها الفكري أما معارضوها فينطبق عليهم المثل القائل "إن لم تكن للسفينة وجهة محدّدة فكل الرياح ملائمة"

* نسغ النخلة الذي يتخمّر سريعاً إن لم يتم حفظه في مكان بارد