‏إظهار الرسائل ذات التسميات حرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حرية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 15 مارس 2012

ملأى السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤسهن شوامخ

قبل كل شيء أود أن أعتذر لأم الشهيد زهير اليحياوي على قلة الأدب والهمجية التي أبداها بعض من الحاضرين في يوم تكريم ابنها وتخليد ذكراه.. من المخجل أن تسمع الأم المكلومة في فلذة كبدها تطلب من الحاضرين وهي تبكي أن يسيروا على درب الشهيد وأن ينعموا بما حلم به ومات قبل أن يراه عين اليقين ثم تلحظ الذهول في عينيها أمام عربدة الضوضاء وتشنّج أشاوس الأدمينات..

إن كنت نادماً على شيء فهو على عدم طلبي للكلمة لأقول هذه الملاحظات الثلاث :
- يبدو أن الأدمينات لم يكونوا على علم أو فهم لموضوع الندوة.. أو لعل أفكارهم المسبقة على عالم المدونين الذي لا يعرفون عنه سوى بعض الأسماء التي "سوّقها" الإعلام بعد الثورة جعلتهم يتقدمون الصفوف يترصدون أول فرصة ليقفزوا صائحين أن الثورة صنعتها صفحات الفايسبوك لا المدونات وينددون بسرقتها منهم.. المضحك في الأمر أنهم بدؤو بقلة الأدب من أول تدخل للمدون "باخوس" (والتي كانت أكاديمية وغير مستفزة لهم) وكأنهم لم يطيقوا صبراً أو لم يستطيعوا كتم النار المتأججة في صدورهم.. كيف لا وما نشر على صفحاتهم يوم الإثنين يشهد على إعدادهم العدة للتصدي للمؤامرة التي دعوا لها.. ما فاتكم أيها "السادة" هو أن الهدف الوحيد من الإحتفال باليوم الوطني لحرية الأنترنات كان تكريم زهير اليحياوي ومن خلاله كل المقاومين والمناضلين الافتراضيين على اختلاف انتماءاتهم وعقائدهم.. على العموم لا يمكن الإنتظار مٍن مَن عجز على نطق إسم الشهيد أثناء وبعد الندوة (رغم التصحيح المتكرر تارةً يسميه زهير مخلوف وطوراً مختار اليحياوي) أن يدرك ما معنى حرية الانترنات أو مقاومة الحجب وقد كان همه نشر فيديوهات الكورة والنكت فمخ الهدرة : "قداش عندك من فان في الباج متاعك ؟".. وإنت وخي ما قلتلناش كيفاش إتنجم تعيش وإنت أدمين متاع 80 صفحة ؟ اه حقاً ماو من غدوة درت في الحياصة وقلت : أنا مجرد أدمين غير مباشر لبعض الصفحات "الثورية"...

- بالنسبة لهناء وجلنار فمن ناحية الشكل لا يعقل بعد قرابة 60 سنة من الإستقلال وبعد ثورة الحرية والكرامة أن تقدم الأخيرة مداخلتها باللغة الفرنسية في القصر الجمهوري وأمام حضور متكون أساساً من تونسيين وهي التونسية التي تربت في تونس.. ولكن يبدو أنها تراجعت عن هذا أمام النظرات النارية والهمهمات التي شوهدت وسمعت بعد اقتراحها ذلك فانتقلت إلى الفرنكو أراب (المسمى زوراً وبهتاناً دارجة) إلا أنها سرعان ما "زلعتها بضخامة" بذكرها ألفة يوسف تلك التي كانت تخطب في نفس المكان أمام "السارقة بأمرها"
أما من ناحية المضمون فحتى لو اختلفنا سياسياً مع المنصف المرزوقي فإنه علينا إحترام صفته كرئيس للجمهورية فنقف عند قدومه وتحيته لنا ونترفع عن تصفية الحسابات السياسية الضيقة. ولكن مايثير الغثيان حقاً هو إستغلال ثقة منظم الإحتفال (الذي وصفه الجهلوت بالبودورو في حين أن محافظ نورمال لاند كان من مؤسسي تلك المدونة الرائعة) لإيهامه بأن الحديث سيكون في صلب الموضوع ثم ينقلب ذلك 180 درجة اثر إنتهاء المقدمة التي اطلع عليها. قبل إتهامي بالتجني أذكر أن إحدى المدونات (معروفة بصورة حيزبون شمطاء) قد كتبت يوم الإثنين فرحة مسرورة : انتظروا غداً تغيير موضوع إحدى المداخلات بطريقة مفاجأة. من جهة أخرى كانت كلمة جلنار ضعيفة في الشكل والمضمون : فلا إنضباط أكاديمي ولا منهجية علمية ولا موضوعية ولا إحترام لمجال تخصصها.. بل كانت عبارة عن تدوينة استفزازية مملوؤة بالمغالطات التي مجتها أسماعنا وسئمتها عقولنا. ويكفي ذكر عبارة "المرأة المدنسة (أو النجسة)" (la femme souillée) التي تنتمي لظلمات العصور الوسطى الأوروبية ولا علاقة لها بموروثنا الحضاري لنعلم في أي حضيضٍ وقعت.

- بالنسبة لسيادة المحافظ فبعد شكري له على رحابة صدره وبرودة دمه وكرم ضيافته فكنت أتمنى لو وقعت استشارتنا لإقتراح برنامج لهذه الندوة وكنت حينها سأقترح ورشة تدوينية من قلب القصر الذي كانت تصدر منه الأوامر لعمار ليقصف الأقلام الحرة وسيكتب البعض حينها عن رمزية نضال "التونسي" أو عن ذكريات الزمن الجميل في البلوغسفير المحنونة أو عن الأحلام والمشاريع التي كانت أو مازلت في عقولنا...

ختاماً أود أن أُذَكٍّر أو أُعْلٍم أنه كان في القاعة أناس سُجنت وعُذبت من أجل حرية التعبير.. كان في القاعة أناس نفيت وحرمت من بلادها من أجل حرية التعبير.. كان هناك أناس أحدثوا المدونة تلو المدونة لتحدي الحاجب والسخرية منه والقول في وجهه بأنه لا مناص من حرية التعبير.. كان هناك أناس نقلت أحداث الثورة لحظة بلحظة ليتلقف "بعضهم" بعضاً منها وينشره لعله يحظى بعددٍ كبير من "الجامات" أو يزداد عدد "الفانات".. كان في القاعة أناس صوروا الشهداء والجرحى على عين المكان ثم لم يحرصو على "مد وجوههم" في وسائل الإعلام.. بل آثروا التواضع إجلالاً لمن بذل الدماء لأجل أن يزايد عليهم بعض السفهاء.. كان هناك أناس على بعد آلاف الكيلومترات ينتظرون صور هذا اليوم لعلهم يرون أخيراً وجوه الأبطال الذين خاطروا بحياتهم لنقل الأحداث..

من كان يظن أن المدونين صنعوا الثورة فهو واهم.. من كان يظن أن صفحات الفايسبوك صنعت الثورة فهو واهم.. من كان يظن أنه بجام أو برتاج أو رتويت صنع الثورة فهو واهم..
الثوار الحقيقيون هم الذين إنتفضوا قبل وبعد 17 ديسمبر 2010 من أجل الحق والعدالة والحرية والكرامة.. الذين خرجوا للشارع لمواجهة ألة القمع وهم لا يعلمون أيعودون لديارهم أم لا.. الذين كانت كتاباتهم ضمير الثورة وسعو لها بالتنظير أو بالدعوة أو بشحذ الهمم.. الذين بذلوا قصار جهدهم لربح المعركة الإعلامية.. الثوار الحقيقيون أخلصوا فلم يريدو جزاءً ولا شكوراً .. أما من جاء يباهي بثوريته "فقد قيل"

قال أبو هريرة راضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله جل ثناؤه إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي ؟ قال : بلى يا رب. قال : فماذا عملت فيما علمت ؟ قال : كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله جل ثناؤه : كذبت، وتقول الملائكة : كذبت، ويقول الله جل جلاله : بل أردت أن يقال فلان قارئ ; فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله تعالى : أولم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ؟ فيقول : بلى يا رب. فيقول : فماذا عملت فيما آتيتك ؟ قال : كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله : كذبت، وتقول الملائكة : كذبت. بل أردت أن يقال فلان جواد، فقد قيل لك ذلك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقال له : فيما ذا قتلت ؟ فيقول : أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله : كذبت، وتقول الملائكة : كذبت. ويقول الله : بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذلك . ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي وقال : يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة }

الخميس، 10 فيفري 2011

سرقوا الإستقلال فهل نتركهم يسرقون الثورة ؟

بدأ كل شيء بحرقة أحس بها قلب شابٍ مظلوم فأشعلت جسده وأرض الخضراء من بعده ليطول لهيبها أيدي العصابة المسيطرة على البلاد. لم تكن حالة فردية أو معزولة.. سبقتها حادثة الشاب الذي أحرق نفسه أمام قصر الطاغية بقرطاج ومأساة عبد السلام تريمش صاحب عربة البريك التي كانت مورد رزق طفليه. ما الجديد إذن هذه المرة ؟ لماذا لم تتمكن عصا البطش من إخماد الإنتفاضة ؟ لماذا عجز صاحب النظرة الإستشرافية عن التنبؤ بتحول حركة إحتجاجية إلى ثورة تطرده ذليلاً شريداً ؟

الإجابة التي يريد ونيس وزملاؤه أن نغفل عنها هي أن المطلب الحقيقي للثورة هو إستعادة الشعب لحقه في تنصيب الدولة التي تعبر عنه.. الدولة كنظام ومؤسسات تظمن له حقه في العمل الشريف والأمن على ماله وعرضه والعيش بحرية وكرامة. المعتصمون بالقصبة أصروا على هذا المبدأ ورابطوا أمام الوزارة الأولى رغم كل أساليب الترهيب والترغيب التي أستعملت معهم. وهذا منطقي، لأنها لو كانت ثورة رعاع جياع (ڤعار) لما تسببت في كل هذا الزخم الذي إكتسح الشبكات الإجتماعية ودفع الألاف للتظاهر في المدن الكبرى كصفاقس وتونس !

عندما أشاهد التقارير التلفزية التي تنقل لنا إعتصامات مواطنين يطالبون الحكومة الإنتقالية بالزيادة في الأجور أو الترسيم أو التشغيل ينتابني مزيج من الإحباط والغضب ! فرغم شرعية هذه المطالب إلا أن مهمة هذه الحكومة المؤقتة لا تتمثل في حل مشاكل التنمية وتحقيق العدالة الإجتماعية بل في تأمين إنتقال ديمقراطي للسلطة أي تنظيم إنتخابات تؤدي إلى تكوين مجلس تأسيسي يمتلك الشرعية الشعبية التي تخول له كتابة دستور جديد للبلاد وتكوين لجان الإصلاح السياسي والتحقيق حول الفساد... ليتمكن الشعب التونسي بعد ذلك، ولأول مرة في تاريخه، من إنتخاب حكومة تمثل تركيبته الحقيقية !

وهنا أعود للمومياء الحية ونيس الذي لم أخرج من سفسطته ليلة الأحد على قناة نسمة إلا بفكرة واحدة : إنه يصر على أن الثورة بدأت يوم الإستقلال عن فرنسا ! لقد تلفظ بما يخفيه زملاؤه في صدورهم. إنهم لا يريدون الإعتراف بثورة الشعب لأن كلمة ثورة تتطلب قطعاً كاملاً مع النظام البائد في حين أنهم يريدون إستمرار الدولة البورقيبية بتصورها الخاص للجمهورية "الديمقراطية" ومشروعها الثقافي التغريبي المنسلخ عن الهوية الحقيقية للشعب التونسي !

هذه الحكومة تتشبث بفصول الدستور التي تمكنها من الوصول إلى مآربها وتتجاهل تلك التي تقيد حركتها ! فالرئيس المؤقت لا يمكن أن تتجاوز مدته 60 يوماً هاقد عشنا نصفها دون أن نرى تقدماً في الإعداد للإنتخابات الرئاسية بينما السادة الأشاوس يتكلمون عن فترة إنتقالية قد تستمر لستة أو سبعة أشهر ويصل بهم الغرور لبحث إمكانية التوقيع على برتوكول يلغي عقوبة الإعدام كأنهم مخولون لفعل ذلك !

في هذه الأثناء يختار عياض بن عاشور أعضاء لجنة الإصلاح السياسي من كلية العلوم السياسية والقانونية ومن القانونين ذوي الميول الفرنكوفيلية المفضوحة ! بل يسمح لنفسه بإطلاق تصريحات وقحة من عينة : مجلة الأحوال الشخصية هي الدستور الحقيقي للبلاد أو علينا أن نرتقي بالشعب التونسي لمستوى مجلة الأحوال الشخصية ! لم تكفه 60 سنة من الحرب على هويتنا بل يريد 40 سنة أخرى (بنص عبارته) لعله يحقق مبتغاه !

سرق الإستقلال منا عندما إستمرت التبعية الثقافية والإقتصادية للمستخرب السابق رغم تعدد البدائل والإختلافات الحضارية البديهية ! كيف نفسر عدم تمكن الشركة التونسية لصناعة السيارات التي تأسست سنة 1961 من إنتاج سيارة تونسية 100% في حين تمكنت شركة بروتون الماليزية من ذلك بعد أقل من 20 سنة من بعثها ؟ كيف يمكن أن نجد إلى الأن إستمارات بالفرنسية فقط في العديد من الإدارات التونسية ؟ هل من الطبيعي أن لا يخط طلبة الإختصاصات العلمية حرفاً واحداً بالعربية طيلة دراستهم الجامعية ؟ يكفي أن تتابع الحملات الإشهارية أو برامج الحوار في إعلامنا البائس أو حتى المدونات التونسية لتكتشف أن الفرنسية هي عنوان التفاخر والحداثة والعربية رمز التخلف والتڤوعير !

إننا نعيش لحظة فارقة، يتوجب علينا أن نناضل فيها لتسترد تونس هويتها الحقيقية فالبند الأول من الدستور الذي يريد عياض بن عاشور أن يتكرم علينا بعدم المساس به يجب أن يترجم على أرض الواقع من خلال السياسات الإقتصادية والثقافية والتربوية والحقوقية ولا يبقى مجرد شعار تدغدغ به مشاعرنا وتتصرف الدولة بطريقة تجعل الحمقى من أمثال جمعية الدفاع عن اللائكية يظنون أن تونس كانت يوماً كذلك !

الجمعة، 21 جانفي 2011

أرض الأحرار



الزمان : أكتوبر 1985
المكان : المدرسة الإبتدائية أبو القاسم الشابي برادس

تلاميذ السنة الثالثة ب جالسون في القسم ينتظرون معلم المواد العربية. يفتح الباب كهل أصلع الرأس، ممتلئ الجسم، ويتجه مباشرةً إلى مكتبه. يراقبه الصبي الجالس في المقعد الأول بقدر كبير من الإهتمام وهو يتجاهل السابورتين الكبيرتين ويضع لوحة خضراء مربعة فوق كرسيه ليجعلها أمام أعين التلاميذ الصغار..

قبل أن ينطلق في شرح درس التاريخ بكل حماس، كتب على اللوح كلمتين بحجم كبير ثم صاح بصوته الجهوري : الأمازيغ ومعناها الأحرار !

لم أنس أبداً تلك الكلمات، ولم أنس أبداً تفاني ذلك المعلم في التدريس ! إنه مدرسة بذاته ! ثم جاءنا التحول "المبارك" ووعوده بالحرية والديمقراطية !

أتذكر نظرات أبي المليئة بالأمل وهو يعيد سماع ذلك البيان المشؤوم مرات عدة صبيحة ذلك السبت المشؤوم.. أتذكر كيف كان يقتطع قصاصات من الصحف تروي السيرة الذاتية للرئيس الجديد وصور بطولاته ليحتفظ بها في مكتبته.. أتذكر كيف تخلص منها حرقاً بعد بضع سنين دون أن يرد على سؤالي : لماذا ؟

مرت السنون وتعرض أبي للتحقيق والمراقبة اللصيقة لأن زوج إبن خالته الظابط في الجيش الليبي جاء لزيارتنا في تونس ! أما أمي فعانت الأمرين حتى لا تنزع خمارها..

ثم جاء اليوم الذي وقفت فيه أمام مبنى الداخلية المخيف.. الذي لم أكن أجرؤ على أن أمشي أمامه.. جاء اليوم الذي تنفس فيه هذا الشعب، سليل الأمازيغ والفينيقيين والروم والوندال والعرب والأندلسيين والأتراك... نسيماً خاصاً.. نسيم الحرية !

الأمازيغ ليس إسماً يطلق على عنصر أو عرق معين ! إنه إسم كل من ولد وترعرع فوق أرض الخضراء.. إنه إسمٌ للأحرار !

إهداء إلى سي البكوش صاحب سيارة الفولكسفاجن كوكسينال الحمراء التي طالما أوقفها أمام معهد ماكسولا.