الأربعاء، 27 أفريل، 2011

الشريعة الإسلامية بين خبث بورڤيبة وسخافة الزغيدي


بمناسبة الذكرى الحادية عشر لوفاة الحبيب بورڤيبة تناقل العديد من التونسيين على الفايسبوك فيديو يصور الحاكم الأول لدولة ما بعد الإستقلال يجيب على أسئلة صحفي فرنسي حول علمانية الدولة التونسية وعلاقة الإسلام بالديمقراطية. كانت الأجوبة واضحة جداً ومؤكدةً على أن تونس دولة مسلمة "تقدمية" وعلى أنه لا تعارض بين الإسلام والديمقراطية. كما أشار إلى أن الحاكم المسلم يستطيع الإجتهاد بإستعمال القانون الإسلامي نفسه لتحقيق المصلحة العامة.

ما دفعني للتذكير بهذا الكلام ما سمعته من صالح الزغيدي (الناشط في جمعية الدفاع عن اللائكية) في برنامج حواري بث على قناة حنبعل يوم الأحد 10 أفريل 2011 : فقد أكد على أنه يجب أن تكون القوانين في الدولة التونسية وضعية بل وصلت به السخافة أن يسأل محاوره عن سبب إتخاذ الشريعة الإسلامية مرجعية لحركة النهضة !!! بعد قرابة 1400 سنة على دخول الإسلام لهذه البلاد يتساءل بنو علمان عن سبب تعلقنا نحن التونسيون المسلمون بالشريعة الإسلامية !

في الحقيقة، يصح على هؤلاء المثل التونسي : "كذب كذبة وصدقها". فقد اعتبروا محاربة الدولة للإسلام بعد الإستقلال دليلاً على علمانيتها وغاب عليهم أن صنهم الأكبر أخبث وأبعد نظراً منهم ! بورڤيبة كان يريد أن تتحول تونس إلى دولة "حداثية" على النمط الغربي ولكنه إختار أسلوباً مغايراً لأتاتورك. فعوض الدخول في مواجهة مباشرة تفضحه وتجعل مقاومة مشروعه أسهل، أثبت في البند الأول من الدستور هوية الدولة العربية الإسلامية ثم عمل على اجتثاثها بإنتاج أجيال جاهلةً بها. لذلك حرص بداعي "تطوير التعليم وتحديثه" على غلق جامع الزيتونة وجميع فروعه التي كانت تحتضن قرابة 16 ألف طالباً. وبهذا حرم الألاف من التونسيين الذين بدأوا يتمتعون بمجانية وإجبارية التعليم من تحصيل العلوم الشرعية عن مشايخ تلقوها بالسند المتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم. إضافةً إلى ذلك، اكتفت البرامج التعليمية بتحفيظ "جزء عم" والنزر القليل من الأحاديث النبوية التي تتعلق ببعض العبادات ومكارم الأخلاق. فأصبح عدد حفاظ القرأن الذين يتقنون تلاوته حسب قواعد التجويد قليلاً جداً وأصبح "المتعلمون" جاهلين بأبجديات الفقه و ثوابت العقيدة. إلى جانب هذا همشت العربية واعتمدت الفرنسية لتدريس المواد العلمية التي ستقوم بها نهضة البلاد.

أما الجريمة الأخرى التي اقترفها بورڤيبة في حق هذه البلاد فهي إغلاق المحاكم الشرعية ولهذا قصة.. فمنذ فتحت هذه البلاد واعتنق أهلها الدين الحنيف كان يقضى بين سكانها بما أنزل الله في كتابه وبما ثبت عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أن ابتليت بالإحتلال الفرنسي الذي عجز عن المساس بالقضاء الشرعي فقام بإحداث محاكم موازية. وعندما بدأت بشائر الإستقلال تظهر للعيان قام أول مفتي للجمهورية التونسية الشيخ محمد العزيز جعيط رحمه الله بتقنين الفقه المالكي والحنفي في مجلة لإعتمادها في المحاكم التونسية لكن بورڤيبة راوغ الجميع وأبقى على المحاكم "الفرنسية" التي تحكم بالقانون الوضعي. ولو لم تكن القوانين الوضعية التي كانت ساريةً وقتها قريبةً جداً من الشريعة لما استقر الأمر له . إن جهل الناس بحقيقة الشريعة الإسلامية جعلهم يختزلونها في الحدود بينما هي أكبر وأشمل من ذلك. بل إن تعطيل الحدود لا يتعارض مع مقاصد الشريعة إلا أنه يخضع لضوابط يطول شرحها هنا.

فمثلاً يعتقد الكثير أن مجلة الأحوال الشخصية تمثل ثورةً على ثوابت الشريعة الإسلامية قامت بتحرير المرأة التونسية. وهذا محض ترهات. شخصياً أعتقد أن التحرير الحقيقي للمرأة التونسية تم عبر تطبيق سياسة إجبارية ومجانية التعليم وعبر فتح سوق الشغل أمامها. أما مسألة تعدد الزوجات فإن كل ما فعلته هذه المجلة يتمثل في أنها جعلت الصداق القيرواني إجبارياً أي ضيقت ما جعله الإسلام واسعاً. فالشريعة أعطت المرأة الحق في اشتراط تخلي الرجل عن التعدد عند عقد قرانه عليها. وأنا متأكد من أنه في حالة السماح بالتعدد مجدداً فإن غالبية الرجال لن يفكروا فيه أصلاً وأن غالبية النساء ستشترط الصداق القيرواني.

إن الشريعة الإسلامية قدمت الجانب التربوي على الجانب الردعي. فليس الهدف قطع أيدي اللصوص ورجم الزناة وإنما جعل الوازع الذاتي (الخوف من الله) أقوى من الوازع الخارجي (الخوف من العقوبة الأنية) وبالتالي بناء مجتمع يكون فيه الإجرام إستثناءً. هذا مما تعلمته من هذا الحوار مع الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي.. حقيقةً 46 دقيقة من المتعة الفكرية.






الأربعاء، 6 أفريل، 2011

بورڤيبة.. ذلك اللغز

عند ذكر إسم بورڤيبة تعود بي الذاكرة إلى أيام الطفولة فتتدافع المشاهد في ذهني.. لم أستطع نسيان صورة رؤوف يعيش رافعاً خبزةً بيمينه ومردداً شعارات تمجد المجاهد الأكبر.. رؤوف يعيش نفسه، الذي سمى ابنته توجيهات على إسم ذلك البرنامج الذي يقدم قبل نشرة الثامنة مساءً مقتطفات من خطابات الرئيس.. غالباً ما كانت تتسبب في تعليقات ساخرة من أبي أو نظرات متهكمة من أمي.. لكن أحياناً قليلة، كانت أمي تترك كل ما كان يشغلها وتسارع لتقف أمام التلفاز لتتابع بأعين ملتمعة، صور الخطيب المفوه وهو يلوح بيديه في الهواء ! كنت أتسائل في صمت كيف يمكن لهذا الشخص أن يثير كل هذه المشاعر المتناقضة ؟ لماذا أشعر بالهيبة عندما أمر بجوار التمثال الذي يصوره راكباً حصاناً وطربوش تركي فوق رأسه وأنفجر ضاحكاً عندما أشاهده يسبح كالضفدع وحذاؤه الرياضي الأبيض في ساقيه ؟

في الحقيقة لا يمكنني تقديم تقييم موضوعي للحقبة البورڤيبية فالتاريخ الرسمي كتب بيديه والشهادات المحايدة نادرة ولكن من وجهة نظري أعتبر أن من أهم إنجازاته تأسيس دولة ما بعد الإستقلال. أقول دولة لا جمهورية !!! وكان من أهم ميزات هذه الدولة القضاء على النعرات القبلية والعروشية، النهوض بالقطاع الصحي وتبني سياسة التنظيم العائلي، إجبارية التعليم مع مجانيته... هذه السياسة حققت ثورة كبيرة مكنت كل تونسي مهما كان منشؤه متواضعاً من القدرة على إرتقاء السلم الإجتماعي ومكنت البلاد من التمتع بطبقة وسطى عريضة ومثقفة "نسبياً". لا يمكن أن ننسى طبعاً مجلة الأحوال الشخصية والدور الذي لعبته في ادماج المرأة التونسية في الدورة الإقتصادية وبالتالي تغيير تركيبة المجتمع جذرياً.

من جهة أخرى لا يمكن أن نغض الطرف على خطايا بورڤيبة في حق تونس ومن أبرزها :

- تنكره لرفيق دربه صالح بن يوسف الذي عامله معاملة بروتس لقيصر وتصفيته لكل معارضيه من اليوسفيين.

- إختزال كل تاريخ الحركة الوطنية في شخصه وحزبه وتقديم نفسه على أنه المجاهد الأكبر الذي أجبر فرنسا على القبول بإستقلال تونس : كم هي نسبة التونسيين الذين يعرفون أن المؤسس الحقيقي للحزب الدستوري الحر (الذي إنشق عنه بورقيبة وصحبه) هو الشيخ عبدالعزيز الثعالبي ؟ كم هي نسبة التونسيين الذين يعرفون الدور الهام الذي لعبه الزيتونيون في مقاومة الإحتلال ؟

- قبوله نظرياً (أي دستورياً) بالإسلام ديناً للدولة وبالعربية لغةً لها وانتهاجه لسياسات مخالفة تماماً : إلغاء المحاكم الشرعية، الإستيلاء على الأوقاف، إغلاق المعاهد الزيتونية، تهميش الثقافة العربية والإسلامية...

- تطبيق سياسة الحزب الواحد وتأسيس الحكم البوليسي الدكتاتوري، التضيق على الحريات، إعتقال وتعذيب المعارضين...

- إنتهاج سياسة إقتصادية كارثية في الستينات

أخيراً، على طريقة قناة سيد الناس الكل، أعتبر أن الموقفين التاليين يلخصان ما تمثله شخصية بورڤيبة بالنسبة لي :

1- نشر المحامي الشابّ الحبيب بورڤيبة في 11 من يناير 1929 بجريدة "اللّواء التونسيّ" الناطقة بالفرنسيّة مقالاً بعنوان "الحجاب" مندّدا بما دعت إليه على منبر جمعيّة الترقّي بالعاصمة التونسيّة حبيبة المنشاوي التي حملت على الحجاب ودعت إلى سفور المرأة التونسيّة وممّا جاء فيه قوله: "إن الحجاب دخل منذ قرون في تقاليدنا وأصبح جزءا لا يتجزّأ من ذاتيّتنا ومظهرا يميّزها عن ذاتيّات أخرى" وحمل على السفور قائلاً: "إنّ ليلة الحجاب انتهت بفشل دعاة السفور ومدبّري محو الذاتيّة التونسيّة، وهل أدلّ على ذلك من امتناع السيّدات المسلمات اللاّئي حضرن في تلك الليلة عن إلقاء خُمُرهنّ في سلّة القاذورات، فكان موقفهنّ أحسن برهان على وجود الشخصية التونسية"

2- أصدر الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة سنة 1981 المنشور عدد 108 الذي يحظر على الطالبات والمدرّسات وموظفات القطاع العام ارتداء "الزيّ الطائفي" أي الحجاب داخل المؤسسات التابعة للدولة : المدارس والجامعات والمستشفيات والإدارات العمومية...

وبين هذا وذاك الأغنية التي إنتشرت في الستينات : "نحي السفساري يا بنية"