السبت، 22 أكتوبر، 2011

هل الديمقراطية كفر ؟

قد يكون الحديث في هذا الموضوع متأخّراً جداً بما أنه تفصلنا 12 ساعة على أهم إنتخابات في تاريخ تونس الخضراء ولكن لعلّها تكون الفرصة لأحوصل نقاشات استمرت لعدّة سنوات أو لعلّي أنجح في إقناع من لا يزال متردّداً ليذهب ويؤدّي غداً واجبه الإنتخابي.

تناقلت صفحات الفايسبوك فيديوهات لمشائخ إعتبر بعضهم الديمقراطية بدعةً أتتنا من الغرب لتضلّنا عن الطريق المستقيم وذهب بعضهم إلى اعتبارها كفراً وإتباعاً للطاغوت وقبل أن أطرح رأيي الخاص أودّ أن أبدأ بتعريف مبسّط للدّيمقراطية ثم أقارنه بما إتفق عليه علماء المسلمون من مبادئ الحكم الرّشيد..

لفظ الدّيمقراطية مشتق من كلمتين من اللغة الإغريقية : ديموس وكراتيا وتعني حكم الشعب لنفسه وقد عرّف أبراهم لنكولن النّظام السّياسي الدّيمقراطي بحكم الشعب للشعب من أجل الشعب ويتم هذا عبر مبادئ أساسية من أهمها :
- حكم الأغلبية
- إنتخاب ممثّلين عن الشعب
- فصل السلطات
- سيادة القانون
- تداول الحكم سلمياً

إذا تركنا جانباً أقوال الذين يفهمون حديث كل محدثةٍ بدعة بأن كل أمر من أمور الدين والدنيا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم هو ضلالةٌ لابد من تركها وتجنّبها وينسون (أو بالأحرى يتناسون) حديث من سنّ سنّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها فإن أهم حجّة لمكفّري الديمقراطية هي : إن الديمقراطية تعتبر أن الحكم للشعب في حين يقول الله تعالى في كتابه الحكيم : إن الحكم إلا لله ! طبعاً الحجة في ظاهرها سخيفة وتذكرنا بقول الخوارج الذي ردّ عليه علي كرم الله وجهه بمقولته الشهيرة كلمة حق أريد بها باطل. فالله استخلفنا في الأرض لنحكم بشرعه وبمنهاجه الذي أرسل من أجله الأنبياء والرسل ليعلّموننا كيف نطبّقه. وهنا يكمن مربط الفرس ! فالنظام الديمقراطي كما يمارس في الدول الغربية يحكم بما إستقرّ عليه رأي الأغلبية أو بالأحرى هوى الأغلبية فإن إعتبر هؤلاء أن الموت الرحيم أو زواج الشواذ أو التدخين في الأماكن العامة مباحاً كان كذلك وبالتالي فلا وجود لمرجعية أخلاقية ثابتة وحقيقية تعبّر عن هوّية المجتمع ومثله العليا فحتى ما يطلق عليه بالقيم الكونيّة تطوّرت بتطوّر المجتمعات التي آمنت بها. وهنا لا يسعني إلا أن أحيل القارئ إلى الآيات 44 إلى 50 من سورة المائدة (أنظر الفقرة الأخيرة من مقالي حول اللائكية) ثم أطرح السؤال : كيف يمكن أن يكون الحكم بما أنزل الله ديمقراطياً ؟ لو تأملنا في مبادئ الديمقراطية المذكورة أعلاه لوجدنا :
- حكم الأغلبية لا يتعارض مع مبدأ الشورى الإسلامي فالرسول صلى الله عليه وسلم كان وهو النبي المعصوم يستشير أصحابه ويعمل برأي الأغلبية حتى لو تعارض مع رأيه (في معركة أحد كان يفضل مواجهة الكفار في المدينة وعدم الخروج لهم)
- إنتخاب ممثلين عن الشعب : أو ما يعبر عنه بالتعبير الإسلامي أهل الحل والعقد وهم من حازوا ثقة الناس بعلمهم وفضلهم وحسن أخلاقهم فقد كان أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أهمّه أمر إستشار أهل بدر من الصحابة ولا ننسى الإثني عشر نقيباً الذين اختارهم الأنصار ليبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم نيابةً عنهم قبل الهجرة.
- فصل السلطات وسيادة القانون : تزدحم كتب التاريخ الإسلامية بالآثار التي تروي كيف كان القضاء مستقلاً أيام الحكم الرشيد وكيف لم تكن هناك حصانةٌ لأحد أمام القانون
- تداول الحكم سلمياً : يقول العلماء : حيث وجدت المصلحة فثمة شرع الله نقطة أرجع للسطر ^_^

يتبين ممّا سبق أن المشكلة الحقيقية في الديمقراطية بالمفهوم الغربي تتمثل في كونها تجيز سنّ قوانين مخالفة للشرع وبالتالي فإن النظام السياسي المدني الذي لا يعتبر الحاكم منزّهاً عن الخطأ والمحاسبة والذي يحترم الحرّيات الفرديّة بما فيها حرّية المعتقد والذي يتّخذ الشّريعة كمرجعيّة أخلاقيّة وقانونيّة (للمواطنين المسلمين !!!) هو نظام ديمقراطي بمرجعية إسلامية وهذه هي الدولة الإسلامية التي يظنها البعض دينية بمعنى ثيوقراطية !

ولكن هذه النتيجة التي توصلنا إليها تدفعنا لطرح المزيد من الأسئلة :
- ما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في النّاخب حتى يسمح له بالإدلاء بصوته ؟
- ما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في من يرشح نفسه لينوب المواطنين ؟

الإجابات في التدوينة القادمة إن شاء الله !

الجمعة، 7 أكتوبر، 2011

أحنا متاع الحداثة



دبارة اليوم : ناخذو حزب أفلس إيديولوجياً ونضالياً، ننزع منه اللون الأحمر البروليتاري ونعوضه بالأزرق لون النبلاء العفن. نعطيه إسماً يقطع مع كل ماضٍ قديم، نحيطه بمجموعة من رموز (جمع رِمز) النقبة المصفقة الذين احترفوا العهر الثقافي (كان موش عيب راني استعملت كلمة أخرى) وأتقنوا التطبيل (كان موش عيب راني استعملت كلمة أخرى) لأسيادهم من متساكني الضفة الأخرى وتميزوا ببهامتهم في اللغة العربية. نضيف طبقة من احتكار الحداثة ورشة خفيفة من الديمقراطية. أي فوالا : قبوط... تي نقصد كبوط ترافل للثورة !!!

الأحد، 28 أوت، 2011

حول أمية النبي صلى الله عليه وسلم

كلمة أميّ في حق النبي صلى الله عليه وسلم تفيد ثلاثة معانٍ في نفس الوقت :
1- أمَمِي : (بعد فك إدغام الميميْن) ويعني أنه أرسل لجميع الأمم كما بينته الأية الكريمة : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (سبأ - 28)

2- غير يهودي : كما تطلق العرب لفظ أعجمي على غير العربي، يستعمل اليهود لفظ أميّ على غير اليهود (أي ينتمي للأمم الأخرى) : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ (آل عمران - 75)

3- لا يعرف القراءة والكتابة وهذا ما تؤكده الأيات التالية : وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (العنكبوت - 48)
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا (الفرقان - 5)
لاحظوا دقة اللفظ القرأني : اكتتبها وتملى : فهذا نفي واضح لمعرفته للقراءة والكتابة.

كان هذا رداً سريعاً على بعض المتفيقهين المتطفلين على العلوم الشرعية والفاهم يفهم...

الثلاثاء، 19 جويلية، 2011

ما أشبه اليوم بالبارحة

عديت صغري في مدينة جميلة ياسر.. بناوها الرومان وإستحفظت على الإسم إلي عطاوهولها حتى التوة.. فيها تعلمت الشدة والغميضة، الكورة والشطرنج وحتى الانفورماتيك.. وفيها زادة تعلمت إنصلي ونقرا بالتجويد.. عمري ما ننسى جامع التوبة.. جامع متواضع وصغير ما فيهش رخام غالي.. مافيه كان تزخريف خفيف.. أما كان فيه إمام خشين يصدع بالحق وعمره ما خطب على المنبر ذليل.. كل يوم جمعة، العباد كانت إتجي حتى من بعيد باش تسمع خطبة الإمام شعيب.. نتذكر مرة شفت راجل يصلي فوق كرهبته خاطر حتى الأنهجة إلي بحذا الجامع ما عادش فيها شبر فارغ..

في أول التسعينات وكي كثر الظلم والتجاوزات، وقف يخطب نهار جمعة وحكالنا حكاية غزالة هجموا عليها الذيوبة ياخي هربت منهم وبدات إتفركس على بلاصة تتخبى فيها.. رات جامع قريب ياخي بحرارة الروح نڤزت ورمات روحها وسطه.. ياخي الذيوبة وقفت قدام الباب وما تجرئتش تخلط عليها.. وقتها الإمام شعيب صاح وقال : ذيوبة الغابة تعرف قدر بيت ربي أما ذيوبة البشر لا تراعي لا ربي لا بيته..

بالطبيعة كانت هذيكة أخر خطبة عرفتها للإمام شعيب في جامع التوبة.. وقتها عم محمود الكتباجي جار وزير الشؤون الدينية إلي كان يسكن بحذا البلدية حكى لبابا إلي راه يضحك ويقول : زرصة كانت توجع فيا ورتحت منها..

جمعة بعد "الثورة" هبطت مع مرتي وولدي لشارع الحبيب بورقيبة ياخي رينا جماعة خدمة الشعب إلي عياو يجريو ورانا على الخمار والصلاة في الجامع (حتى صلاة الظهر يا بوڤلب) ريناهم عاد يعيطو ويصيحو أبرياء أبرياء من دماء الشهداء.. وقتها الذيوبة ولاو نعاج..

المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين قالها سيدنا صلى الله عليه وسلم أما أحنا زايد ديما دغف !

الأربعاء، 27 أفريل، 2011

الشريعة الإسلامية بين خبث بورڤيبة وسخافة الزغيدي


بمناسبة الذكرى الحادية عشر لوفاة الحبيب بورڤيبة تناقل العديد من التونسيين على الفايسبوك فيديو يصور الحاكم الأول لدولة ما بعد الإستقلال يجيب على أسئلة صحفي فرنسي حول علمانية الدولة التونسية وعلاقة الإسلام بالديمقراطية. كانت الأجوبة واضحة جداً ومؤكدةً على أن تونس دولة مسلمة "تقدمية" وعلى أنه لا تعارض بين الإسلام والديمقراطية. كما أشار إلى أن الحاكم المسلم يستطيع الإجتهاد بإستعمال القانون الإسلامي نفسه لتحقيق المصلحة العامة.

ما دفعني للتذكير بهذا الكلام ما سمعته من صالح الزغيدي (الناشط في جمعية الدفاع عن اللائكية) في برنامج حواري بث على قناة حنبعل يوم الأحد 10 أفريل 2011 : فقد أكد على أنه يجب أن تكون القوانين في الدولة التونسية وضعية بل وصلت به السخافة أن يسأل محاوره عن سبب إتخاذ الشريعة الإسلامية مرجعية لحركة النهضة !!! بعد قرابة 1400 سنة على دخول الإسلام لهذه البلاد يتساءل بنو علمان عن سبب تعلقنا نحن التونسيون المسلمون بالشريعة الإسلامية !

في الحقيقة، يصح على هؤلاء المثل التونسي : "كذب كذبة وصدقها". فقد اعتبروا محاربة الدولة للإسلام بعد الإستقلال دليلاً على علمانيتها وغاب عليهم أن صنهم الأكبر أخبث وأبعد نظراً منهم ! بورڤيبة كان يريد أن تتحول تونس إلى دولة "حداثية" على النمط الغربي ولكنه إختار أسلوباً مغايراً لأتاتورك. فعوض الدخول في مواجهة مباشرة تفضحه وتجعل مقاومة مشروعه أسهل، أثبت في البند الأول من الدستور هوية الدولة العربية الإسلامية ثم عمل على اجتثاثها بإنتاج أجيال جاهلةً بها. لذلك حرص بداعي "تطوير التعليم وتحديثه" على غلق جامع الزيتونة وجميع فروعه التي كانت تحتضن قرابة 16 ألف طالباً. وبهذا حرم الألاف من التونسيين الذين بدأوا يتمتعون بمجانية وإجبارية التعليم من تحصيل العلوم الشرعية عن مشايخ تلقوها بالسند المتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم. إضافةً إلى ذلك، اكتفت البرامج التعليمية بتحفيظ "جزء عم" والنزر القليل من الأحاديث النبوية التي تتعلق ببعض العبادات ومكارم الأخلاق. فأصبح عدد حفاظ القرأن الذين يتقنون تلاوته حسب قواعد التجويد قليلاً جداً وأصبح "المتعلمون" جاهلين بأبجديات الفقه و ثوابت العقيدة. إلى جانب هذا همشت العربية واعتمدت الفرنسية لتدريس المواد العلمية التي ستقوم بها نهضة البلاد.

أما الجريمة الأخرى التي اقترفها بورڤيبة في حق هذه البلاد فهي إغلاق المحاكم الشرعية ولهذا قصة.. فمنذ فتحت هذه البلاد واعتنق أهلها الدين الحنيف كان يقضى بين سكانها بما أنزل الله في كتابه وبما ثبت عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أن ابتليت بالإحتلال الفرنسي الذي عجز عن المساس بالقضاء الشرعي فقام بإحداث محاكم موازية. وعندما بدأت بشائر الإستقلال تظهر للعيان قام أول مفتي للجمهورية التونسية الشيخ محمد العزيز جعيط رحمه الله بتقنين الفقه المالكي والحنفي في مجلة لإعتمادها في المحاكم التونسية لكن بورڤيبة راوغ الجميع وأبقى على المحاكم "الفرنسية" التي تحكم بالقانون الوضعي. ولو لم تكن القوانين الوضعية التي كانت ساريةً وقتها قريبةً جداً من الشريعة لما استقر الأمر له . إن جهل الناس بحقيقة الشريعة الإسلامية جعلهم يختزلونها في الحدود بينما هي أكبر وأشمل من ذلك. بل إن تعطيل الحدود لا يتعارض مع مقاصد الشريعة إلا أنه يخضع لضوابط يطول شرحها هنا.

فمثلاً يعتقد الكثير أن مجلة الأحوال الشخصية تمثل ثورةً على ثوابت الشريعة الإسلامية قامت بتحرير المرأة التونسية. وهذا محض ترهات. شخصياً أعتقد أن التحرير الحقيقي للمرأة التونسية تم عبر تطبيق سياسة إجبارية ومجانية التعليم وعبر فتح سوق الشغل أمامها. أما مسألة تعدد الزوجات فإن كل ما فعلته هذه المجلة يتمثل في أنها جعلت الصداق القيرواني إجبارياً أي ضيقت ما جعله الإسلام واسعاً. فالشريعة أعطت المرأة الحق في اشتراط تخلي الرجل عن التعدد عند عقد قرانه عليها. وأنا متأكد من أنه في حالة السماح بالتعدد مجدداً فإن غالبية الرجال لن يفكروا فيه أصلاً وأن غالبية النساء ستشترط الصداق القيرواني.

إن الشريعة الإسلامية قدمت الجانب التربوي على الجانب الردعي. فليس الهدف قطع أيدي اللصوص ورجم الزناة وإنما جعل الوازع الذاتي (الخوف من الله) أقوى من الوازع الخارجي (الخوف من العقوبة الأنية) وبالتالي بناء مجتمع يكون فيه الإجرام إستثناءً. هذا مما تعلمته من هذا الحوار مع الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي.. حقيقةً 46 دقيقة من المتعة الفكرية.






الأربعاء، 6 أفريل، 2011

بورڤيبة.. ذلك اللغز

عند ذكر إسم بورڤيبة تعود بي الذاكرة إلى أيام الطفولة فتتدافع المشاهد في ذهني.. لم أستطع نسيان صورة رؤوف يعيش رافعاً خبزةً بيمينه ومردداً شعارات تمجد المجاهد الأكبر.. رؤوف يعيش نفسه، الذي سمى ابنته توجيهات على إسم ذلك البرنامج الذي يقدم قبل نشرة الثامنة مساءً مقتطفات من خطابات الرئيس.. غالباً ما كانت تتسبب في تعليقات ساخرة من أبي أو نظرات متهكمة من أمي.. لكن أحياناً قليلة، كانت أمي تترك كل ما كان يشغلها وتسارع لتقف أمام التلفاز لتتابع بأعين ملتمعة، صور الخطيب المفوه وهو يلوح بيديه في الهواء ! كنت أتسائل في صمت كيف يمكن لهذا الشخص أن يثير كل هذه المشاعر المتناقضة ؟ لماذا أشعر بالهيبة عندما أمر بجوار التمثال الذي يصوره راكباً حصاناً وطربوش تركي فوق رأسه وأنفجر ضاحكاً عندما أشاهده يسبح كالضفدع وحذاؤه الرياضي الأبيض في ساقيه ؟

في الحقيقة لا يمكنني تقديم تقييم موضوعي للحقبة البورڤيبية فالتاريخ الرسمي كتب بيديه والشهادات المحايدة نادرة ولكن من وجهة نظري أعتبر أن من أهم إنجازاته تأسيس دولة ما بعد الإستقلال. أقول دولة لا جمهورية !!! وكان من أهم ميزات هذه الدولة القضاء على النعرات القبلية والعروشية، النهوض بالقطاع الصحي وتبني سياسة التنظيم العائلي، إجبارية التعليم مع مجانيته... هذه السياسة حققت ثورة كبيرة مكنت كل تونسي مهما كان منشؤه متواضعاً من القدرة على إرتقاء السلم الإجتماعي ومكنت البلاد من التمتع بطبقة وسطى عريضة ومثقفة "نسبياً". لا يمكن أن ننسى طبعاً مجلة الأحوال الشخصية والدور الذي لعبته في ادماج المرأة التونسية في الدورة الإقتصادية وبالتالي تغيير تركيبة المجتمع جذرياً.

من جهة أخرى لا يمكن أن نغض الطرف على خطايا بورڤيبة في حق تونس ومن أبرزها :

- تنكره لرفيق دربه صالح بن يوسف الذي عامله معاملة بروتس لقيصر وتصفيته لكل معارضيه من اليوسفيين.

- إختزال كل تاريخ الحركة الوطنية في شخصه وحزبه وتقديم نفسه على أنه المجاهد الأكبر الذي أجبر فرنسا على القبول بإستقلال تونس : كم هي نسبة التونسيين الذين يعرفون أن المؤسس الحقيقي للحزب الدستوري الحر (الذي إنشق عنه بورقيبة وصحبه) هو الشيخ عبدالعزيز الثعالبي ؟ كم هي نسبة التونسيين الذين يعرفون الدور الهام الذي لعبه الزيتونيون في مقاومة الإحتلال ؟

- قبوله نظرياً (أي دستورياً) بالإسلام ديناً للدولة وبالعربية لغةً لها وانتهاجه لسياسات مخالفة تماماً : إلغاء المحاكم الشرعية، الإستيلاء على الأوقاف، إغلاق المعاهد الزيتونية، تهميش الثقافة العربية والإسلامية...

- تطبيق سياسة الحزب الواحد وتأسيس الحكم البوليسي الدكتاتوري، التضيق على الحريات، إعتقال وتعذيب المعارضين...

- إنتهاج سياسة إقتصادية كارثية في الستينات

أخيراً، على طريقة قناة سيد الناس الكل، أعتبر أن الموقفين التاليين يلخصان ما تمثله شخصية بورڤيبة بالنسبة لي :

1- نشر المحامي الشابّ الحبيب بورڤيبة في 11 من يناير 1929 بجريدة "اللّواء التونسيّ" الناطقة بالفرنسيّة مقالاً بعنوان "الحجاب" مندّدا بما دعت إليه على منبر جمعيّة الترقّي بالعاصمة التونسيّة حبيبة المنشاوي التي حملت على الحجاب ودعت إلى سفور المرأة التونسيّة وممّا جاء فيه قوله: "إن الحجاب دخل منذ قرون في تقاليدنا وأصبح جزءا لا يتجزّأ من ذاتيّتنا ومظهرا يميّزها عن ذاتيّات أخرى" وحمل على السفور قائلاً: "إنّ ليلة الحجاب انتهت بفشل دعاة السفور ومدبّري محو الذاتيّة التونسيّة، وهل أدلّ على ذلك من امتناع السيّدات المسلمات اللاّئي حضرن في تلك الليلة عن إلقاء خُمُرهنّ في سلّة القاذورات، فكان موقفهنّ أحسن برهان على وجود الشخصية التونسية"

2- أصدر الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة سنة 1981 المنشور عدد 108 الذي يحظر على الطالبات والمدرّسات وموظفات القطاع العام ارتداء "الزيّ الطائفي" أي الحجاب داخل المؤسسات التابعة للدولة : المدارس والجامعات والمستشفيات والإدارات العمومية...

وبين هذا وذاك الأغنية التي إنتشرت في الستينات : "نحي السفساري يا بنية"

الأربعاء، 23 مارس، 2011

الهدف الحقيقي من المطالبة بدولة لائكية

عند متابعتنا للنقاشات السياسية على القنوات التونسية، نلاحظ أن أغلبية "النخب" أو بالأحرى أغلبية من يستدعون للنقاش تحت شعار الرأي والرأي "هو بيده" يبشرون بقيم التقدم والحداثة التي لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار دولة لائكية وبالطبع فقد كفى باعث القناة (سواءاً كان سيد الناس الكل أو إبن أبيه الفار) المواطنين شر الإطلاع على رأي قوى الرجعية وتيارات الجذب إلى الوراء المنادية بدولة إسلامية لا يمكن أن تكون إلا دينية بمعنى ثيوقراطية !


الأمر واضح جداً بالنسبة للائكيين، فالبديل الوحيد عن الدولة العلمانية هي الدولة الدينية التي تحكم بحق إلهي فتلبس الحاكم رداءً دينياً يعصمه من الأخطاء فلا تناقش اختياراته ولا برامجه السياسية. في الحقيقة هذا لا يمت بصلة للدولة المسلمة المؤسسة على منهج القرءان والسنة. فلا وجود لكهنوت إسلامي وبالتالي لا قدسية أو "حصانة" للحاكم ! فهو يخطيء ويصيب ومن حق الأمة محاسبته وحتى عزله.


أما حجتهم المفضلة فهي أن اللائكية هي الضمان الوحيد لإحترام المعتقد وممارسة الشعائر وبالتالي التعايش السلمي بين كل أطياف المجتمع وهذه لا يفوتها سخفاً إلا استشهادهم بالفقيه المالكي والقاضي الشرعي إبن رشد للحث على تبني العلمانية الغربية في البلاد المسلمة ! لو كان الإسلام في سماحة الكونكيستادور، غزاة أمريكا اللاتينية، لما بقيت فرق من الوثنيين والمجوس فضلاً عن اليهود والمسيحيين في أرض الإسلام إلى يوم الناس هذا !


من المضحكات المبكيات أيضاً رؤية أعين اللائكيين تغرورق بالدموع وهم يقولون أن الدين علاقة طاهرة وسامية بين الإنسان وربه لا يجب أن نزج بها في ميدان السياسة المبني على المناورة والغش والخداع. وكأن السياسة لا تكون إلا على المبدأ الماكيافيلي "الغاية تبرر الوسيلة" فلا مكان فيها لمكارم الأخلاق التي تجعل الحاكم لا يخاف في الله لومة لائم فينتصر للمظلوم ويمنع الظالم ويعين الفئات الضعيفة... وهذا يعبر عنه الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله بقوله : {إن خير من استأجرت القوي الأمين} (القصص - 26) وشتان بين هذا النموذج القرءاني وبين من كان مشرفاً على خزائن الدولة في عهد الدكتاتور فأصبح غداة الثورة يذرف دموع التماسيح متألماً من الموقف الدقيق والدقيق جداً الذي تمر به البلاد لينقلب لحظة خروجه من السلطة ثورجياً يطالب بإنتخاب مجلس تأسيسي !


في الحقيقة، الهدف الوحيد من المطالبة باللائكية هو التوصل إلى إقرار القوانين الوضعية بطريقة دستورية وقانونية لا تخدم إلا مصلحة المنافقين ! فعلى طريقة دس السم في الدسم يصور الأمر على أن قمة العدالة والحضارة تكمن في تطبيق نفس القوانين على جميع المواطنين دون إعتبار لجنسهم أو معتقدهم وبالطبع لا حاجة للبحث على نقاط الإتفاق أو مراعاة خصوصيات البعض بل يتم فرض ما كتبوه بأيديهم وسموه قيماً كونية ومطالبة الشعب بالإيمان بها كحقائق نهائية لأن سواها تنتمي لكتاب نحترمه ونعتبره مقدساً ولكن نتركه في البيت ليباركه ويبعد عنه اللصوص ! وهذا يذكرني بتصريح أحد كبارهم الذين علموهم السحر، إعتبر فيه مجلة الأحوال الشخصية الدستور الحقيقي لتونس ثم إستطرد قائلاً أنه "يلزمنا" أربعون سنة أخرى لنرتفع بالشعب التونسي إلى مستوى تلك المجلة !!! عجبي، لم تكفهم ثلاثون سنة من التضليل الثقافي والتربوي أردفوها بعشرين سنة من تجفيف المنابع ويطمعون الأن في تحقيق هذا الهدف مع جيل الثورة !


قبل أن يلتقط أحدهم هذه الكلمات وينطلق إلى مجلس نواح على المكاسب المهددة بالإنقراض أريد أن أذكر بأن نص هذه المجلة ليس أكثر قدسية من القرءان ! ثانياً، أباح الإسلام للمرأة أن تشترط على زوجها أن لا يتزوج عليها وقد اشتهرت مدينة القيروان بعقود الزواج التي تحتوي على هذا الشرط فعرف بين الناس بالصداق القيرواني. ثالثاً، إن هذا يظهر أن الدولة المسلمة أكثر مرونة وإحتراماً لحرية مواطنيها، فالشريعة الإسلامية لا تطبق إلا على المسلمين. أما أهل الكتاب فمن حقهم الإحتكام لكتبهم إن كانوا لا يزالون يؤمنون بما فيها. وبالطبع هذا لا يرضي العلمانيين فهم يفهمون الأية الكريمة {لا إكراه في الدين} (البقرة - 254) بأنهم من حقهم أن يسلموا ثم لا يعملوا إلا بما تهوى أنفسهم بل ويجتهدون في منع تطبيق الشرع على كامل المجتمع عملاً بالمثل "الشنقة مع الجماعة خلاعة" وهذا المفهوم المستورد من أسيادهم في الغرب أعني "المؤمن الغير مطبق" ينافي التعريف الإسلامي للإيمان بأنه ما وقر في القلب وأقر به اللسان وصدقه العمل ! بل إن الله تعالى وصف المنافقين بمن لا يذكرون الله إلا قليلا ولا يأتون الصلاة إلا كسالى فما بالك بمن لم يسجد لله سجدة ولا هدف عنده إلا الصد عن سبيله ؟ من جهة أخرى، فإن حث الإسلام على الإجتهاد وتحكيم العقل لا يعني أن يترك ذلك بين أيدي كل من هب ودب وإلا فما هي وظيفة المفتي ؟ رصد الهلال ؟ إن الإجتهاد له قواعده التي تمكننا من التعامل مع النصوص وتسمح إذا اقتضت المصلحة بتعطيل العمل "مؤقتاً" ببعض الحدود (التي يرتعدون منها ويختزلون الشريعة فيها) ولنا في عمل الفاروق عمر في عام الرمادة أسوة حسنة !


ختاماً، أمنيتي أن يقرأ كل من يعتبر نفسه مسلماً علمانياً هذه الأيات من سورة المائدة، ويفسر لي سبب تكرار بعض الأجزاء منها :

إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور، يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما أستحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (46) وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (47) وقفينا على آثارهم بعيسى إبن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة، وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (48) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (49) وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (50) وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرا من الناس لفاسقون (51) أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون (52)


الخميس، 10 فيفري، 2011

سرقوا الإستقلال فهل نتركهم يسرقون الثورة ؟

بدأ كل شيء بحرقة أحس بها قلب شابٍ مظلوم فأشعلت جسده وأرض الخضراء من بعده ليطول لهيبها أيدي العصابة المسيطرة على البلاد. لم تكن حالة فردية أو معزولة.. سبقتها حادثة الشاب الذي أحرق نفسه أمام قصر الطاغية بقرطاج ومأساة عبد السلام تريمش صاحب عربة البريك التي كانت مورد رزق طفليه. ما الجديد إذن هذه المرة ؟ لماذا لم تتمكن عصا البطش من إخماد الإنتفاضة ؟ لماذا عجز صاحب النظرة الإستشرافية عن التنبؤ بتحول حركة إحتجاجية إلى ثورة تطرده ذليلاً شريداً ؟

الإجابة التي يريد ونيس وزملاؤه أن نغفل عنها هي أن المطلب الحقيقي للثورة هو إستعادة الشعب لحقه في تنصيب الدولة التي تعبر عنه.. الدولة كنظام ومؤسسات تظمن له حقه في العمل الشريف والأمن على ماله وعرضه والعيش بحرية وكرامة. المعتصمون بالقصبة أصروا على هذا المبدأ ورابطوا أمام الوزارة الأولى رغم كل أساليب الترهيب والترغيب التي أستعملت معهم. وهذا منطقي، لأنها لو كانت ثورة رعاع جياع (ڤعار) لما تسببت في كل هذا الزخم الذي إكتسح الشبكات الإجتماعية ودفع الألاف للتظاهر في المدن الكبرى كصفاقس وتونس !

عندما أشاهد التقارير التلفزية التي تنقل لنا إعتصامات مواطنين يطالبون الحكومة الإنتقالية بالزيادة في الأجور أو الترسيم أو التشغيل ينتابني مزيج من الإحباط والغضب ! فرغم شرعية هذه المطالب إلا أن مهمة هذه الحكومة المؤقتة لا تتمثل في حل مشاكل التنمية وتحقيق العدالة الإجتماعية بل في تأمين إنتقال ديمقراطي للسلطة أي تنظيم إنتخابات تؤدي إلى تكوين مجلس تأسيسي يمتلك الشرعية الشعبية التي تخول له كتابة دستور جديد للبلاد وتكوين لجان الإصلاح السياسي والتحقيق حول الفساد... ليتمكن الشعب التونسي بعد ذلك، ولأول مرة في تاريخه، من إنتخاب حكومة تمثل تركيبته الحقيقية !

وهنا أعود للمومياء الحية ونيس الذي لم أخرج من سفسطته ليلة الأحد على قناة نسمة إلا بفكرة واحدة : إنه يصر على أن الثورة بدأت يوم الإستقلال عن فرنسا ! لقد تلفظ بما يخفيه زملاؤه في صدورهم. إنهم لا يريدون الإعتراف بثورة الشعب لأن كلمة ثورة تتطلب قطعاً كاملاً مع النظام البائد في حين أنهم يريدون إستمرار الدولة البورقيبية بتصورها الخاص للجمهورية "الديمقراطية" ومشروعها الثقافي التغريبي المنسلخ عن الهوية الحقيقية للشعب التونسي !

هذه الحكومة تتشبث بفصول الدستور التي تمكنها من الوصول إلى مآربها وتتجاهل تلك التي تقيد حركتها ! فالرئيس المؤقت لا يمكن أن تتجاوز مدته 60 يوماً هاقد عشنا نصفها دون أن نرى تقدماً في الإعداد للإنتخابات الرئاسية بينما السادة الأشاوس يتكلمون عن فترة إنتقالية قد تستمر لستة أو سبعة أشهر ويصل بهم الغرور لبحث إمكانية التوقيع على برتوكول يلغي عقوبة الإعدام كأنهم مخولون لفعل ذلك !

في هذه الأثناء يختار عياض بن عاشور أعضاء لجنة الإصلاح السياسي من كلية العلوم السياسية والقانونية ومن القانونين ذوي الميول الفرنكوفيلية المفضوحة ! بل يسمح لنفسه بإطلاق تصريحات وقحة من عينة : مجلة الأحوال الشخصية هي الدستور الحقيقي للبلاد أو علينا أن نرتقي بالشعب التونسي لمستوى مجلة الأحوال الشخصية ! لم تكفه 60 سنة من الحرب على هويتنا بل يريد 40 سنة أخرى (بنص عبارته) لعله يحقق مبتغاه !

سرق الإستقلال منا عندما إستمرت التبعية الثقافية والإقتصادية للمستخرب السابق رغم تعدد البدائل والإختلافات الحضارية البديهية ! كيف نفسر عدم تمكن الشركة التونسية لصناعة السيارات التي تأسست سنة 1961 من إنتاج سيارة تونسية 100% في حين تمكنت شركة بروتون الماليزية من ذلك بعد أقل من 20 سنة من بعثها ؟ كيف يمكن أن نجد إلى الأن إستمارات بالفرنسية فقط في العديد من الإدارات التونسية ؟ هل من الطبيعي أن لا يخط طلبة الإختصاصات العلمية حرفاً واحداً بالعربية طيلة دراستهم الجامعية ؟ يكفي أن تتابع الحملات الإشهارية أو برامج الحوار في إعلامنا البائس أو حتى المدونات التونسية لتكتشف أن الفرنسية هي عنوان التفاخر والحداثة والعربية رمز التخلف والتڤوعير !

إننا نعيش لحظة فارقة، يتوجب علينا أن نناضل فيها لتسترد تونس هويتها الحقيقية فالبند الأول من الدستور الذي يريد عياض بن عاشور أن يتكرم علينا بعدم المساس به يجب أن يترجم على أرض الواقع من خلال السياسات الإقتصادية والثقافية والتربوية والحقوقية ولا يبقى مجرد شعار تدغدغ به مشاعرنا وتتصرف الدولة بطريقة تجعل الحمقى من أمثال جمعية الدفاع عن اللائكية يظنون أن تونس كانت يوماً كذلك !

الجمعة، 21 جانفي، 2011

أرض الأحرار



الزمان : أكتوبر 1985
المكان : المدرسة الإبتدائية أبو القاسم الشابي برادس

تلاميذ السنة الثالثة ب جالسون في القسم ينتظرون معلم المواد العربية. يفتح الباب كهل أصلع الرأس، ممتلئ الجسم، ويتجه مباشرةً إلى مكتبه. يراقبه الصبي الجالس في المقعد الأول بقدر كبير من الإهتمام وهو يتجاهل السابورتين الكبيرتين ويضع لوحة خضراء مربعة فوق كرسيه ليجعلها أمام أعين التلاميذ الصغار..

قبل أن ينطلق في شرح درس التاريخ بكل حماس، كتب على اللوح كلمتين بحجم كبير ثم صاح بصوته الجهوري : الأمازيغ ومعناها الأحرار !

لم أنس أبداً تلك الكلمات، ولم أنس أبداً تفاني ذلك المعلم في التدريس ! إنه مدرسة بذاته ! ثم جاءنا التحول "المبارك" ووعوده بالحرية والديمقراطية !

أتذكر نظرات أبي المليئة بالأمل وهو يعيد سماع ذلك البيان المشؤوم مرات عدة صبيحة ذلك السبت المشؤوم.. أتذكر كيف كان يقتطع قصاصات من الصحف تروي السيرة الذاتية للرئيس الجديد وصور بطولاته ليحتفظ بها في مكتبته.. أتذكر كيف تخلص منها حرقاً بعد بضع سنين دون أن يرد على سؤالي : لماذا ؟

مرت السنون وتعرض أبي للتحقيق والمراقبة اللصيقة لأن زوج إبن خالته الظابط في الجيش الليبي جاء لزيارتنا في تونس ! أما أمي فعانت الأمرين حتى لا تنزع خمارها..

ثم جاء اليوم الذي وقفت فيه أمام مبنى الداخلية المخيف.. الذي لم أكن أجرؤ على أن أمشي أمامه.. جاء اليوم الذي تنفس فيه هذا الشعب، سليل الأمازيغ والفينيقيين والروم والوندال والعرب والأندلسيين والأتراك... نسيماً خاصاً.. نسيم الحرية !

الأمازيغ ليس إسماً يطلق على عنصر أو عرق معين ! إنه إسم كل من ولد وترعرع فوق أرض الخضراء.. إنه إسمٌ للأحرار !

إهداء إلى سي البكوش صاحب سيارة الفولكسفاجن كوكسينال الحمراء التي طالما أوقفها أمام معهد ماكسولا.