السبت، 28 جوان 2008

عار على تونس


بهذه الكلمات إختمم البارحة، الإعلامي المخضرم حمدي قنديل، الفقرة الأولى من برنامجه الممتاز قلم رصاص. بالطبع لم تكن إبداعات عمار هي التي دفعته لقول ذلك ولكن كان قرار الجغرافيين الفلسطينيين مقاطعة المؤتمر الدولي للجغرافيين الذي ستحتضنه تونس من 12 إلى 15 أوت 2008 بسبب مشاركة وفد إسرائيلي. ومما يزيد طين ووحل التطبيع بلة (مع العلم أن كلمة طبعة في الدارجة التونسية تعني وحل) أن الوفد الإسرائيلي سيضم ظباطاً كباراً خدموا في جيش الإحتلال ولطخوا أيديهم بدماء أشقائنا الفلسطينيين واستعملوا علومهم الجغرافية لتوسيع الإستيطان وابتكار أساليب مختلفة لإغتصاب الأرض الفلسطينية!

تاريخ التطبيع في تونس عريق ويزخر بالأمثلة المشينة إبتداءً بالقمة العالمية حول مجتمع المعلومات مروراً بالمؤتمر الكشفي العالمي دون أن ننسى إستقبال الحجيج الصهاينة للغريبة في شهر ماي من كل عام ولو أن بقية باقية من الخجل ما زالت تمنع النظام من السماح بفتح خط طيران مباشر بين تل أبيب وجربة.

في إنتظار مشاهدة القبلات التطبيعية التي سيغرق بها صاحب النظرة الاستشرافية والسياسة الرشيدة والأفكار المستنيرة، زعيم الصهاينة في باريس حيث سيعقد الإجتماع الأول للإتحاد من أجل المتوسط والتطبيع المجاني، لا أجد ما أقوله سوى إستعارة قولة الكابتن خالد حسني : يا عيب الشوم عليك يا تونس!

الجمعة، 27 جوان 2008

من هو المتطرف ؟


الطالبة أمال بن رحومة، مرسمة بالسنة النهائية من مرحلة تكوين المهندسين بالمدرسة العليا لمهندسي التجهيز الريفي بمجاز الباب، يؤكد لها مدير المدرسة المذكورة، المدعو بشير بن ثائر، أنها لن تتحصل على شهادة التخرج حتى تنزع الخمار من فوق رأسها ! الطالبة زينب بوملاسة، سنة ثانية ثانوي بمعهد الامتياز، ولاية منّوبة، متحصّلة على معدل 18.38، ترفت لثلاثة أيام بتعلّة سوء السلوك وعدم الامتثال لأوامر الإدارة. لكن زملاءها الصغار وجهوا صفعةً موجعة لمدير المعهد عادل الفهري عندما رفضوا تسلم شهاد التفوق التي حرمت منها زينب لأنها متحجبة ! تسنيم الطرابلسي، تلميذة بالمعهد الثانوي بزهانة ولاية بنزرت انقطعت عن الدراسة عدة أيام وذلك بسبب إقدام مدير المعهد المذكور، فيصل عبد ربه، على منعها من الحضور، حتى تترك لبس أي لباس طويل، كما طلب منها ارتداء بنطلون أو تنورة قصيرة، كشرط إلزامي كي يسمح لها بالدخول للمعهد لأن لباسها يشبه الجلباب ! ولم يكتف المدير المذكور بذلك بل أنه ذهب إلى المدرسة الإعدادية المجاورة ليمارس ضغوطا على المدير المسؤول فيها كي يمارس بدوره ضغوطا على المحجبات، وقد وصل به الأمر أن وقف معه على باب المدرسة لطرد المحجبات. بل وقد ذهب الى مقابلة مسؤول الجهة كي يعاتبه على تقصيره في "مقاومة الباس الطائفي".

هذه قطرة من بحر المظالم التي تتعرض لها الفتيات والنسوة التونسيات اللاتي قلن سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير! من منا لم يسمع بقصة المرأة التي جاءها المخاض فمنعت من الولادة في مستشفى عمومي حتى تنزع خمارها ؟ من من لا يدري أن مراكز الشرطة ممتلئة بإلتزامات لنزع الخمار، ممضات تحت التهديد والوعيد ؟ من منا لم تمنع أخته أو جارته من إجتياز الإمتحانات لأنها متحجبة ؟

عشرات المأسي من هذا القبيل تحدث كل يوم ولكن الأجواء في البلوغسفير التونسية تنعم بنسيم عليل و بحر "عديم" الإضطراب. ولكن حين يأتي فاسق بنبأ لا يمكن أن يحتوي على أقل قدر من المصداقية، نشهد موجة من التعاطف والتنديد بالفكر الظلامي الذي يريد إقتحام المجتمع التونسي المنير والمستنير...

أدعو هؤلاء الذين صدقوا فرية وليد حمام أن يحكموا عقولهم : كيف ترضى هذه الأستاذة المتطرفة بإرتداء الطالبة قميصاً لتغطية ذراعيها ثم لا تطلب منها لبس خمارٍ لتغطية شعرها ؟ ماهي صرفت صرفت...

هل يعقل أن يحدث هذا في بلدٍ تحلم فيه العديد من النسوة بإختيار لباسهن بحرية ؟ في بلدٍ يعتبر المساك مع الخمار أخطر زوج إرهابي يجب محاربته ؟ في بلدٍ يلقى فيه القبض على الشباب اليافع بتهمة حضور صلاة الفجر في المسجد ؟ في بلدٍ يستجوب فيه يومياً شرطيان بلباس مدني، شباباً اثر أدائهم صلاة الظهر بالمسجد ثم ينفجران قائلين : كلكم مهندسون تعملون في (...) ماذا يحدث في هذه الشركة ؟

الخميس، 26 جوان 2008

الحالة الإجتماعية للعرب في الجاهلية


إعتبر احد المعلقين على التدوينة السابقة أن إستفتاء المفتي في مسائل الزواج والطلاق هو عودة للجاهلية وبما أن التزاماتي المهنية والخاصة سمحت لي بقليل من الوقت فسأستغله لختم سلسلة التدوينات حول أحوال العرب في الجاهلية :

انعكست الأوضاع السياسية والإقتصادية المتردية على الحالة الإجتماعية للعرب في الجاهلية. فقد كان أساس النظام الإجتماعي متركزاً على العصبية ورابطة الرحم ويعتبر أحسن تصوير لذلك المثل القائل : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً! والذي تفانت العرب في تطبيقه بحذافيره حتى كادوا أن يفنوا أنفسهم في حروب الثأر إلى أن جاء الإسلام وبين أن نصر الظالم هو كفه عن ظلمه.

أما علاقة الرجل بالمرأة فكانت تتبع الطبقات الإجتماعية. فعند الأشراف كانت المرأة محترمةً مصونة تسل دونها السيوف وتخاطب من طرف الشعراء في قصائد الفخر بالكرم والشجاعة. كما كانت تتمتع بحرية التصرف في مالها بل وقد يكون قولها مسموعاً فتجمع القبائل للسلام أو تشعل بينها الحرب!

غير أن الطبقات الإجتماعية الأخرى كانت تعيش حالة من الفساد والمجون لا مثيل لها. روى البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها‏، قالت أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أوجه :

-‏ نكاح كنكاح الناس اليوم؛ يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها

- نكاح الاستبضاع ‏:‏ كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها‏:‏ أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نَجَابة الـولد

- ونكاح آخر‏:‏ يجتمع الرهط دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت، ووضعت ومر‏ت‏ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، ‏‏فـتقول لهم‏:‏ قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، ‏تسمى من أحبت ‏منهم‏ باسمه، فيلحق به ولدها‏.‏ لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل

- ونكاح رابع‏:‏يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطته به، ودعى ابنه، لا يمتنع من ذلك

إلى جانب ذلك كان من المعروف في أهل الجاهلية أنهم كانوا يعددون بين الزوجات من غير حد ويطلقون ويرجعون بدون حد أيضاً ؛ كما كانوا يجمعون بين الأختين و يتزوجون بزوجة آبائهم إذا طلقوها أو ماتوا عنها ! أما فاحشة الزنى فقل من كان منهم يحس بالعار للإنتساب إليها !!!

وبالطبع لا يمكن أن أختم دون الإشارة لعادة وئد البنات خشية ما قد يجلبن من العار إذا وقعن في السبي ؛ بل قد يصل الأمر ببعضهم لقتل أبنائهم خشية الفقر والإملاق.

الأربعاء، 18 جوان 2008

واش قربك للواد يا "الزيتونة" ؟


في خطوة مفاجئة وفريدة من نوعها ألقى مفتي الجمهورية التونسية الأسطرلاب والمرقب (التلسكوب) من يديه وغادر مكتبه بالمعهد القومي للرصد الجوي ليلتحق بمكتبه القديم بباب البنات ثم أصدر فتوى تجزم أن سيدةً تونسية أصبحت محرمةً على زوجها إثر إلقاء هذا الأخير يمين الطلاق ثلاثاً.

إن القوى التقدمية تستنكر هذه البادرة الخطيرة وتعتبرها ردة (ولا موش لازم) نكوصاً عن الفكر المستنير وقيم الحداثة التي ميزت تعاطي الجمهورية التونسية مع الدين منذ الإستقلال كما أنها تناشد المفتي للعودة إلى نشاطه الهام في رصد الأهلة والتبحر في علم الفلك وتطلب منه عدم التدخل في مواضيع لا تنتمي لمجال تخصصه حيث أن شهادة العالمية التي تحصل عليها منذ أكثر من خمسين سنة (أيام كان الجامع الأعظم منارةً للعلوم الإسلامية) أصبحت مستوفاة الصلوحية.

إن خفافيش الظلام وقوى الرجعية والتخلف والتعصب والتطرف والإرهاب تقف متحفزةً ومنتظرةً مثل هذه الفرص لتطرح عينةً من هذه الأسئلة الغير بريئة :
- هل تقتصر وظيفة مفتي الجمهورية على رصد الأهلة وتحديد رزنامة السنة القمرية ؟

- بما أن الفصل الأول لدستور الجمهورية التونسية ينص على أن دين الدولة هو الإسلام وبما أن مجلة الأحوال الشخصية مستوحاة من أحكام الشريعة الإسلامية، هل يعقل أن تكون القوانين مخالفةً للإجتهاد الشرعي لمفتي الجمهورية ؟

- من غير المفتي له المعرفة العلمية و القدرة الأدبية للإجتهاد الفقهي ؟

- هل يعتبر المسلم التونسي نفسه متزوجاً أمام الله أم أمام القانون ؟

- لو أنه يعتبر نفسه متزوجاً أمام الله، هل يستطيع النوم مرتاح الضمير عندما يتجاهل هذه الفتوى ويضاجع زوجته (برضاها) ؟

- عندما نكون نعلم أن الفقه الإسلامي يحتوي على 30٪ عبادات و 70٪ معاملات، ألا يعتبر حصر الإسلام في العلاقة بين المسلم وربه أكبر نفاق فكري تعيشه الأمة الإسلامية في عصرنا ؟


الاثنين، 16 جوان 2008

فيلم رعب

وجوه شاحبة، عيون شاردة أغلبها دامعة لكنها متفائلة[...] المشهد المشحون بالقلق[...] لم تنم في الليلة السابقة وبقيت تنتظر الصباح بفارغ الصبر فقد أكدت ان الرهبة والخوف المسبق هما وراء تعب نفسية أغلب رفاقها...

عندما تقرأ هذه العبارات تظن أن كاتبها استعملها ليصف مأسي المجاعات في أدغال إفريقيا أو ليصور معاناة الشعب العراقي في صراعه اليومي ضد المحتل الغاشم.. لكن ما رأيك إن قلت لك أنها تصف مشاهد حدثت في تونس ؟

لا تجعل مخيلتك تهرب بك بعيداً ! المقال الذي اقتطعت منه هذه الجمل لا يتحدث عن أهالي الحوض المنجمي المنكوب ! إنه يصف حالة تلاميذ السنة الرابعة وأوليائهم. مرةً أخرى أدعوك للإنتباه، فهؤلاء ليسوا بتلاميذ الرابعة ثانوي أي بكالوريا بل الرابعة إبتدائي.

عندما يتم التهويل من شأن إمتحان جهوي لدرجة تجعل الأطفال يصابون بالأرق ليلة الإختبار ويعيش الأولياء في قلق طيلة شهرين كاملين، ألا يدفعنا هذا للتساؤل في إمكانية وجود خطأ ما في هذا المشهد ؟ لا يجب أن ننسى أنه سيقع ادماج المعدل العام للثلاثي الاول والثاني لإحتساب المعدل العام!!!

إن التعليم في تونس في حاجةٍ ماسة لمراجعة شاملة تبدأ بمحتوى البرامج وأساليب التدريس مروراً بطريقة تقييم مستوى التلاميذ دون أن ننسى سبل التكوين المستمر للإطارات التربوية.

سأعود لنقاش هذا الموضوع الهام في المستقبل القريب إن شاء الله لطرح أفكاري الخاصة والحديث عن تجربتي الشخصية.

ملحوظة : المقال نشر في جريدة الشروق ليوم الإثنين 10 جوان 2008.

أديان العرب في الجاهلية


كان معظم العرب يدينون بالحنيفية، دين إبرهيم عليه السلام منذ أن نشأت ذرية إسماعيل في مكة وانتشرت في جزيرة العرب. فكانوا يعبدون الله ويوحدونه ويلتزمون بشعائر دينه حتى جاء عمرو بن لُحَيٍّ زعيم خزاعة وكان معروفاً بالصدقة والصلاح. لكنه لما سافر إلى الشام ورأى أهلها يعبدون الأصنام إستحسن ذلك وظنه حقاً لإشتهار الشام بالأنبياء والكتب السماوية فعاد إلى مكة بهبل ووضعه في جوف الكعبة ثم دعا قومه لعبادته ليشفع لهم عند الله فأجابوه لذلك ثم ما لبثت أن تبعتهم بقية قبائل العرب حتى انتشرت عبادة الأوثان في كل الجزيرة العربية وبلغ بهم الأمر أن أصبحت الكعبة محاطةً بثلاث مائة وستين صنم كل واحد منها تحج له إحدى القبائل في موسم الحج!

وكان من نتائج ذلك أنهم على الرغم من محافظتهم على بعض من الشعائر التي جاء بها ابراهيم عليه السلام كتعظيم البيت والطـواف بـه والحـج والعمـرة والـوقوف بعرفة... فإنهم إبتدعوا بدعاً عظيمة من ذلكم أن أهل قريش كانوا يسمون أنفسهم الحُمْس ويقولون نحن بنو إبراهيم وأهل الحرم وليس لأحد من العرب مثل حقنا ومنزلتنا فلا ينبغى لنا أن نخرج من الحرم إلى الحل أو نقف بعرفة أو نفيض منها.
ثم انهم قالوا لا ينبغي لأهل الحِلِّ أن يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم، إذا كانوا حجاجا أو عمارًا‏.‏ بل انهم أمروا أهل الحِلِّ ألا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس!!! فمن كان غنيا يشتري ثياباً يطوف بها ومن كان له صديقٌ قرشي يستعير ثيابه للطواف وأما الفقراء فكان يطوفون عراة يصفقون بأيديهم ويصفرون وكانت بعض النسوة تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

أما صيغة التلبية فكانت : لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه و ما ملك!!!

ويظهر هنا بكل وضوح الأهمية الإقتصادية الكبيرة للحج والعمرة التي جعلت كبار قريش يرفضون دخول الإسلام خوفاً على فقدان هذه الموارد المادية العظيمة وتجنباً لمواجهة كل العرب إذا هدمت أصنامهم التي تحيط بالكعبة. وتفادياً للإطالة أريد أن أذكر بسرعة أنه كان للعرب عادات أخرى غريبة كالاقتسام بالأزلام وتصديق أخبار المنجمين والكهنة والعرافين والتطير والتشاؤم...

من جهة أخرى كانت بعض القبائل تدين بالنصرانية كالغساسنة في الشام وأهالي نجران في اليمن. أما اليهود فقد إستقر معظمهم بيثرب حيث وجدوا أوصافها في التوراة وعلموا أنها ستكون وجهة هجرة نبي أخر الزمان بل كانوا يستنصرون به على الأوس والخزرج قبل بعثته.
يقول الله تعالى في سورة البقرة :
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)


الحالة السياسية والإقتصادية للعرب في الجاهلية


كان حكام جزيرة العرب في الجاهلية على قسمين‏:‏
1ـ ملوك مُتَوَّجُون لكنهم في الحقيقة غير مستقلين‏ و هم ملوك اليمن وملوك مشارف الشام (الغساسنة) ‏ وملوك الحيرة (المناذرة)
2ـ رؤسـاء القبائـل والعشائر وكـان لهم مـن الحكم والامتـياز مـا كـان للملـوك المتوجين، ومعظم هـؤلاء كانـوا على تمـام الاستقـلال، وربمـا كانت لبعضـهم تبعية لملك متـوج‏.‏

قبل ظهور النبي صلى الله عليه وسلم كان ملوك اليمن والحيرة يتبعون الفرس في حين أن الغساسنة كانوا تبعاً للروم ولكن جميعهم كانوا يعيشون في حالة من الضعف والانحطاط لا مثيل لها. فكان الناس مقسمين بين حكام (بمثابة السادة) ومحكومين (بمثابة العبيد) وبالتالي كان الظلم والإستبداد مستشريين ولم يكن باستطاعة أحد التذمر أو الشكوى. وأما القبائل المجاورة لهذه الأقطار فكانوا مذبذبين : مرة يدخلون في أهل العراق، ومرة يدخلون في أهل الشام.

وكانت أحوال القبائل داخل الجزيرة مفككة الأوصال، تغلب عليها المنازعات القبلية والاختلافات العنصرية والدينية. فلم يكن لهم ملك يدعم استقلالهم ويعتمدون عليه وقت الشدائد. بل إن الحروب كانت كثيراً ما تنشب لأسباب تافهة ثم تستمر بسبب دوامة الثأر لعشرات السنين كحرب البسوس وحرب داحس والغبراء...
الاستثناء الوحيد لهذا الوضع كان مكة التي تنظر لها جميع القبائل باحترام فقبيلة قريش التي كانت تسكنها تمتلك الزعامة الدينية وتشرف على موسم الحاج وتساهم حتى في فض النزاعات القبلية.

أما الحالة الاقتصادية فكانت تعتمد على التجارة التي لا تتيسر إلا إذا ساد الأمن والسلام وكان ذلك مفقودًا في جزيرة العرب إلا في الأشهر الحرم وهذه هي الشهور التي كانت تعقد فيها أسواق العرب الشهيرة من عُكاظ وذي المجَاز ومَجَنَّة وغيرها‏.‏
وأما الصناعات فكانوا أبعد الأمم عنها، ومعظم الصناعات التي كانت توجد في العرب من الحياكة والدباغة وغيرها كانت في أهل اليمن والحيرة ومشارف الشام. وحتى إن كان في داخل الجزيرة شيء من الزراعة والحرث وتربية الأنعام، وكانت نساء العرب كافة يشتغلن بالغزل، فإن الأمتعة كانت عرضة للحروب، وكان الفقر والجوع والعرى عامًا في المجتمع‏.‏

الأحد، 15 جوان 2008

مكارم الأخلاق عند العرب في الجاهلية


عرف العرب في الجاهلية بأخلاقٍ فاضلة تفتقدها الأمم "المتحضرة" في زمننا المعاصر :

الكرم : مثل الكرم مجال التنافس المفضل بين القبائل والعشائر العربية فبرع الشعراء في نظم القصائد التي تفخر بذلك.
من ذلكم أن الرجل كان إذا أتاه الضيف في شدة البرد والجوع وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، تأخذه نخوة الكرم فيقوم إليها، فيذبحها لضيفه.
وكان من نتائج كرمهم امتداحهم شرب الخمر و لعب الميسر..
أما الخمرفلأن تأثيرها على الإدراك يسهل الإسراف على النفس فتكون بذلك سبيلا من سبل الكرم و لذلك سمي شجر العنب بالكرم
وأما الميسر فلأنهم كانوا يطعمون المساكين ما ربحوه أو ما كان يفضل عن سهام الرابحين؛ ولذلك ترى القرآن لا ينكر نفع الخمر والميسر وإنما يقول‏:‏ ‏{‏وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏219‏]‏

الوفاء بالعهد : فقد كان العهد عندهم دينًا يتمسكون به، ويستهينون في سبيله قتل أولادهم، وتخريب ديارهم، وتكفي في معرفة ذلك قصة السَّمَوْأل بن عاديا الذي أودع عنده امرؤ القيس دروعاً وأراد الحارث بن ابي شمر الغساني أن يأخذها فأبى وتحصن بقصره في تيماء، لكن الحارث أمسك أحد أبناء السَّمَوْأل وهدده بقتله إن لم يسلم الدروع فإمتنع حتى قتله أمام عينيه.

عزة النفس والإباء عن قبول الظلم والضيم : كان من نتائج هذا فرط الشجاعة وشدة الغيرة وسرعة الانفعال فكانوا لا يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان إلا قاموا إلى السيف وأثاروا الحروب التي قد تستمر سنين

المضي في العزائم : كانوا إذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والافتخار لا يصرفهم عنه صارف بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله حتى أخر رمق

الحلم والأناة والتؤدة ‏:‏ كانوا يتمدحون بها إلا أنها كانت فيهم عزيزة الوجود؛ لفرط شجاعتهم وسرعة إقدامهم على القتال‏.

إن هذه الأخلاق الحميدة كانت كالبذرة الصالحة التي تنتظر من يتعهدها بالرعاية فتنبت و تزهر رجالاً قادرين على حمل رسالة إصلاح عظيمة لكل البشر. بيد أن هذا الشعاع من الضوء كان محاطاً بدجى من العادات السيئة والأوضاع السياسية ‏ و الاجتماعية والإقتصادية الصعبة التي سنبين بعضاً منها في التدوينات القادمة إن شاء الله.

الجمعة، 13 جوان 2008

لماذا يجحد المشاغبون بهذه المكاسب ؟



قرطاج (وات) انتظم صباح أمس الاربعاء موكب تولى اثناءه الرئيس زين العابدين بن علي تسليم جائزتي رئيس الجمهورية لانشط الجمعيات التنموية ولاحسن المشاريع الممولة من طرف البنك التونسي للتضامن لسنة 2007.
وسلم سيادة الرئيس في هذا الاطار رئيس جمعية التنمية بسوق الاحد من ولاية قبلي السيد رضا حمودة جائزة رئيس الجمهورية لانشط الجمعيات التنموية مجددا بالمناسبة اهتمامه باصناف المشاريع الممولة ومبرزا دور الجمعيات في انجاحها من خلال احكام تاطير المنتفعين بالقروض وتوسيع الاستفادة من خدمات الية القروض الصغيرة.
كما تولى الرئيس زين العابدين بن علي تسليم الجائزة الاولى للمستثمرين الخواص الممولين من قبل البنك التونسي للتضامن والتي تحصلت عليها السيدة سهام رضواني من قفصة التي تميزت باحداث مركز نداء وملتيميديا صلب المركز الجهوي للعمل عن بعد بقفصة.
وعبر رئيس الدولة عن تقديره لجهود هذه الباعثة الشابة التي انجزت مركزا متطورا مكن من خلق حوالي 90 موطن شغل وتقديم خدمات لمؤسسات تونسية واجنبية ورقم معاملات هام في ظرف سنة واحدة مؤكدا لها دعمه وتشجيعه لمواصلة جهودها وتوسيع مشروعها الذي يعد نموذجا لنجاح المشاريع المنجزة من قبل خريجي التعليم العالي والممولة من قبل البنك التونسي للتضامن.
وحضر موكب التكريم وزير المالية والرئيس المدير العام للبنك التونسي للتضامن
المصدر جريدة الصباح ليوم الخميس 12 جوان 2008. الصور من موقع لابراس .


هذا الخبر يدحض الإشاعات المغرضة التي تروجها الشرذمة الضالة. فالتنمية المستديمة تتم بصفة عادلة بين كل ربوع الجمهورية. مراكز النداء توفر الشغل الممتع والمريح لشباب بلد الفرح الدائم أينما كانوا : في الشرقية، في بن عروس وحتى في بؤر الشغب...
عندما تنتشر ثقافة المناشدة إلى حد التلحليح والتقريق والبكاء، لا تعجبو إن كان أحسن مشروع إستثمار هو مركز نداء...

نعمة الإختلاف


الاختلاف سنة كونية موجودة في كل شيء.. نلاحظها بين النباتات والحيوانات فمابالك بالإنسان؟ المخلوق العاقل الوحيد على وجه الأرض..

قد يتحسر البعض من أجل ذلك ويقول ليتنا كنا جميعاً على قلب رجلٍ واحد، حينها لن يكون هناك ظلم أو حروب أو مشاكل! في الحقيقة ستكون الحياة حينها رتيبة ومملة لدرجة تدفعنا لنثور مطالبين بالتغيير.. ألم نكن نغتاظ صغاراً عندما يقوم أحدهم بتقليد ما نفعله أو نقوله؟

فالاختلاف إذا أمر طبيعي وفطري بل ضروري وفيه العديد من الحكم :
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة هود : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ[...](119)

وفي سورة الحجرات : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)

اختلافنا يدفعنا لنتنافس فنبتكر ونجدد ونطور..
اختلافنا يثرينا ويجعلنا نستفيد من تجارب بعضنا البعض..
اختلافنا يمكننا من التمييز بين الحكيم والتافه..

أين المشكل إذاً؟ المشكل أننا نلاحظ أثناء إبحارنا بين المدونات والمنتديات أن الاختلاف في الرأي يتحول إلى خصام وسباب وتبادل للتهم خاصةً إذا كان موضوع النقاش دينياً وبما أن هذه المدونة ستحتوي إن شاء الله على العديد من التدوينات المثيرة للجدل، أردت التذكير بهذه القواعد الأساسية :

- ليس معنى أن تخالفني الرأي أنك قد أصبحت ضدي
- الهدف من أي حوار جاد وهادئ هو إعطاء الفرصة لكل طرفٍ لتوضيح وجهة نظره فهذا من شأنه أن يوسع دائرة الاتفاق ويضيق دائرة الاختلاف
- كثيراً ما نختلف فقط لأننا لا نعرف ما هو الشيء الذي اختلفنا فيه بل قد نكون متفقين في حين يصور لنا سوء الفهم عكس ذلك

ختاماً أريد أن أذكر بهذه القولة الشهيرة للإمام الشافعي : ما ناظرت أحدا إلا و وددت أن يظهر الله الحق على لسانه

الأحد، 8 جوان 2008

تدوينة حمراء طلبا لحقن الدماء


أدون بالأحمر لأنني أنتمي إلى بلد يستقبل فيه الشباب التافه بالورود..
ويقتل فيه الشباب الذي يطالب بحقه بالبارود..
ولا تحترم فيه جل الوعود..
حتى لو كان صاحبها يتصرف كصنم معبود..
فلا تعجبو إن أصبح لونها المميز يمزج زرقة لباس الجلادين..
وحمرة دماء الثائرين...

يقول النبي صلى الله عليه وسلم : { من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد}


السبت، 7 جوان 2008

بعد التعليق حان وقت التدوين


بسم الله الرحمان الرحيم

بدأت علاقتي بالمدونات التونسية بتعليق كتبته في مدونة زيزو من جربة ردا على شخص يكني نفسه "إسلام لا" لم أكن أدري وقتها أن متابعة ما يكتب في المدونات التونسية سيتحول إلى أول نشاط أقوم به يوميا أثناء تناول فطور الصباح

طوال عامين و نصف اكتفيت بالتعليق مستعملا نفس الكنية ومقتنعا بأن التزاماتي المهنية والخاصة لن تترك لي وقتا كافيا للكتابة في مدونة خاصة بي. قد يظن البعض أني نصبت نفسي ناطقا رسميا باسم الإسلام وأن مساهماتي كانت في إطار جهاد مقدس ضد الكفار. بل إن زوجتي كثيرا ما كانت تتساءل عن جدوى إصراري على مناقشة أناس لا ترى أملا في تغيير قناعاتهم.الحقيقة أن الدافع الرئيسي لي كان إعتقادي بأن نسبة كبيرة من الشباب التونسي جاهلة لدينها (هذا لو أنها ما زالت تؤمن بالله الواحد الأحد) وأن من واجبي أن أعرف بوجهات نظر إسلامية معتدلة أنعم الله علي بتلقيها من ما أدركته من بقايا علم مشائخنا الزيتونيين. فللأسف الشديد إرتبط الإسلام في أذهان الشباب بعادات و تقاليد وسلوكيات لا تمت له بصلة وأصبح الإسلام مرادفا للرجعية و التخلف.. غير مطابق لمفاهيمنا المعاصرة ولا أمل في تطويره لأن هذا يعني هدم الأسس التي بني عليها.

إن الإسلام كما تعلمته ليس مجرد طقوس تؤدى في مواعيد و أماكن محددة بل هو منهج حياة ونظام اجتماعي متكامل يعطي الإنسان جميع الوسائل اللازمة حتى يتسنى له العيش الكريم في الدنيا و الفوز الكبير في الآخرة. إن مقولة الإسلام هو الحل ليست شعارا فضفاضا هدفه جذب أصوات العامة في الإنتخابات بل حقيقة تحققت مرات عديدة في الماضي و ستتحقق مجددا في المستقبل القريب إن شاء الله.

قد يكون السبب في اتخاذ قراري بالإلتحاق بركب المدونين ناتجا لهذا التعليق أو للمشاركة في الحملة التي يعدها بعض الإخوة للتدوين من أجل الإسلام أو ليكون لي موقع افتراضي أطرح فيه قناعاتي و رؤيتي الخاصة لما يجري حولي. أيا كانت الأسباب أسأل الله أن يوفقني في هذا العمل وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن يفتح علي بما يراه نافعا لكافة الناس.

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) سورة ااأنعام